ولا تحتمل مرادا غير ما يراد منه ؛ فهى نص فى معناه (١) الحقيقى ، نحو : أنت تعرف لوالديك فضلهما ، يقينا. أى : توقن يقينا ، فجملة : «تعرف لوالديك فضلهما» هى فى المعنى : «اليقين» المذكور بعدها ، لأن الأمر الذى توقنه هنا هو : الاعتراف بفضل والديك ، والاعتراف بفضل والديك هو الأمر الذى توقنه ، فكلاهما مساو للآخر من حيث المضمون.
ومثلها : سرّتنى رؤيتك ، حقّا ، بمعنى : أحقّ حقّا ، أى : أقرر حقّا. فالمراد من : سرتنى رؤيتك ، هو المراد من : «حقّا» ، إذ السرور بالرؤية هو : «الحق» هنا ، والحق هنا هو : «السرور بالرؤية». فمضمون الجملة هو مضمون المصدر ، والعكس صحيح. فكلمة : «يقينا» ، و «حقّا» وأشباههما من المصادر المؤكدة لنفسها ، منصوبة بالفعل المحذوف وجوبا ، النائبة عنه فى الدلالة على معناه. أما فاعله فقد صار بعد حذف الفعل فاعلا للمصدر ، وهذا الفاعل ضمير مستتر تقديره فى المثالين : أنا.
ولا يصح فى هذا النوع (٢) من الأساليب تقديم المصدر على الجملة التى يؤكد معناها ، ولا التوسط بين جزأيها.
ومنها : الأسلوب الذى يكون فيه المصدر مؤكدا لغيره ؛ بأن يكون المصدر واقعا بعد جملة معناها ومدلولها ليس نصّا فى معنى هذا المصدر ومدلوله ؛ وإنما يصح أن ينطبق على معناه وعلى غيره قبل مجيئه ؛ فإذا جاء هذا المصدر امتنع الاحتمال ، وزال التوهم وصار المعنى نصّا فى شىء واحد ؛ نحو : هذا بيتى قطعا ، أى : أقطع برأيى قطعا. فلو لا مجىء المصدر : «قطعا» لجاز فهم المعنى على أوجه متعددة بعضها حقيقى ، والآخر مجازى ... ـ أقربها : أنه بيتى حقّا ، أو :
__________________
(١) ولذلك سمى المؤكد لنفسه ، لأنه بمنزلة إعادة الجملة التى تتضمن معناه نصا ؛ فكأنه نفس الجملة التى أعيدت ، وكأنها ذاته.
(٢) من هذا النوع : لا أفعل الأمر ألبتة. فكلمة : «ألبتة» ، مصدر حذف عامله وجوبا. والتا فيه ليست للتأنيث ، وإنما هى للوحدة. ومعنى «البت» القطع. أى : أقطع فى هذا الأمر القطعة الواحدة ؛ لا ثانية لها ، فلا أتردد ، ثم أجزم بعد الترد. وقد تكون «أل» هنا للعهد ، أى : القطعة المعهودة بيننا ؛ وهى التى لا تردد معها. فألبتة : تفيد استمرار النفى الذى قبلها. ولو لم توجد لكان انقطاء محتملا. والأفصح ملازمة : «أل» لكلمة : «ألبتة» فى الاستعمال السالف وأن تكون همزتها للقطع.
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
