وجوب تحقّق أثر كلّ من الحواسّ عند تحقّق شرائطه كما أوضحناه سابقا ، وسيأتي من المصنّف في البحث الرّابع أيضا ما هو صريح في ذلك ، حيث نسبهم إلى تجويز خلاف ما يحكم به حسّ البصر والسّمع واللّمس ، وظاهر أن الاقتصار على هذه الثلاثة من باب الاكتفاء بالأهم ، فظهر صدق قول المصنّف : إنّهم ، أنكروا قضايا محسوسة مرادا به المحسوسة بالأعمّ من البصر والسّمع واللّمس والذّوق والشمّ ، مع أنّ وجه إنكارهم للمحسوس بواحد منها جار في الأعمّ فافهم ، واما عاشرا فلأنّ ما ذكره بقوله : ثمّ إنكار القضايا المحسوسة ، أراد به أنّهم يمنعون الاعتماد على القضايا المحسوسة «إلخ» (١) فيه نظر من وجوه ، الاول أنّا لا نسلّم أنّ
__________________
(١) وقال بعض فضلاء الحنابلة : ان الشبهة التي أوردوها في التشكيك في الحسيات والبديهيات وان عجز كثير من الناس عن حلها ، فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس والاضطرار ، فمن قدر على حلها والا فلم يتوقف جزمه بما علمه بحسه واضطراره على حلها «انتهى».
وقال في موضع آخر : ان الأمور الحسية والعقلية اليقينية قد وقعت فيها شبهات كثيرة ، تعارض ما علم بالحس والعقل ، فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلها ، لم يثبت لنا ولا لاحد علم شيء من الأشياء ، ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشبه الخيالية وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئا فشيئا بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يناقض ثبوته ، ولم يكن ثبوت ما يقدر من الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا به ، ولو كانت الشبه ما كانت فما من موجود وصل بدرك الحس الا ويمكن لكثير من الناس أن يقيم على عدمه شبها كثيرة يعجز السامع عن حلها ، وقد رأينا وسمعنا ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن الإنسان تتبدل نفسه الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف مرة ، وكل لحظة تذهب روحه وتفارق وتحدث له روح أخرى غيرها هكذا ابدا ، وما أقاموه من الشبه على أن السماوات والجبال والبحار تتبدل كل لحظة ويخلف غيرها ، وما أقاموه من الشبه
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
