ماله لوجه الله لا للجزاء من الخلق ولا شكورهم (١) بثبات من نفسه وقوة على الإنفاق ، لا تخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها ، ويرتعد ويضعف قلبه ، ويجوز عند الإنفاق بخلاف نفقة من لم يكن صاحب التثبت والقوّة ، ولمّا كان النّاس في الإنفاق على هذين القسمين ، كان مثل نفقة صاحب الإخلاص والتثبيت كمثل الوابل ، ومثل نفقة الآخر كمثل الطلّ ، وهو المطر الضعيف ، فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلّته وكمال الإخلاص وقوّة اليقين فيه وضعفه ، أفلا تراه سبحانه نبّه العقول على ما فيها من استحسان هذا واستقباح فعل الأول؟ وكذلك قوله تعالى : (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (٢) فنبّه سبحانه العقول على قبح ما فيها من الأعمال السّيئة التي تحبط ثواب الحسنات وشبهها بحال شيخ كبير له ذرّية ضعفاء بحيث يخشى عليهم الضيعة وعلى نفسه وله بستان هو مادّة عيشه وعيش ذرّيته ، فيه النخيل والأعناب ومن كل الثّمرات إذا أصابته نار شديدة فأحرقته ، فنبه العقول على أنّ قبح المعاصي التي تحرق الطاعات بعدها كقبح هذه الحال ، ولهذا فسّره ابن عباس (٣) برجل عمل بطاعة الله زمانا فبعث
__________________
(١) إشارة الى آية ٩ في سورة الدهر النازلة في حق أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم أجمعين ، الحاكية عن لسان حالهم.
(٢) البقرة. الآية ٢٦٦.
(٣) هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ، من اعيان الإسلام أخذ علوم القرآن وتفسيره عن مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه ، يعبر عنه حبر الامة ، وقدوة المفسرين وترجمان القرآن امه لبابة بنت الحارث بن حزن اخت ميمونة ام المؤمنين زوجة النبي صلىاللهعليهوآله.
ولد بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين دعى له النبي صلىاللهعليهوآله بالفقه والتأويل ،
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
