الحقّ والباطل ، وكذلك اعترفوا في النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل السّمع والعقل ، وأنّهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم ، لعلموا حسن ما جاءت به الرّسل وقبح مخالفتهم ، قال تعالى : (وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) (١) ، وكم يقول لهم في كتابه (أَفَلا يَعْقِلُونَ) ، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، فينبّههم على ما في عقولهم من الحسن والقبح ويحتجّ عليهم بها ، ويخبر أنّه أعطاهموها لينتفعوا بها ويميّزوا بها بين الحسن والقبيح ، وكم في القرآن من مثل عقليّ وحسي ينبّه به العقول على حسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه؟! فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ، ولكان إثبات ذلك بمجرّد الأمر والنّهى دون ضرب الأمثال ، وتبيين جهة القبح المشهور بالحسّ والعقل ، والقرآن مملوّ بهذا لمن تدبّره ، كقوله :
(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٢) ، يحتجّ سبحانه عليهم بما في عقولهم ، من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له ، فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكا له ولا يرضى بذلك ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟ وهذا يبيّن أنّ قبح عبادة غيره تعالى مستقرّ في العقول ، والسّمع نبّه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك وكذلك قوله تعالى : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ) (٣) (وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٤) ،
__________________
(١) الملك. الآية ١٠.
(٢) الروم. الآية ٢٨.
(٣) متشاكسون : متضادون.
(٤) الزمر. الآية ٢٩.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
