وهكذا الذي يحسب أنّ الشّرع غير موافق للعقل ، لأنه لا يعلم ما عليه الشرع استقرّ ، وما عند أرباب العقل تقرّر ، فحسب التناقض والتّنازع ، وأمّا بواسطة التّعصّب ومجادلة أرباب العقل مع أصحاب النّقل ، فانّ بهذا يظهر الخلاف ويحصل التّنافي المانع عن الائتلاف ، وبعد طول التأمّل والإنصاف يظهر حقيقة الموافقة ويرتفع الإختلاف هذا. وإلى ما قرّرناه من تحقّق اللّزوم بين المعنيين قد أشار صاحب التوضيح من الماتريدية (١) في مقام المنع حيث قال : إنّ الأشعري يسلّم الحسن والقبح عقلا بمعنى الكمال والنّقصان ، ولا شكّ أن كلّ كمال محمود وكلّ نقصان مذموم ، وأنّ أصحاب الكمالات محمودون بكمالهم ، وأصحاب النّقائص مذمومون بنقائصهم ، فإنكار الحسن والقبح بمعنى أنهما صفتان لأجلهما يحمدا ويذّم الموصوف بهما في غاية التّناقض «انتهى كلامه».
وإذا جعل إشارة إلى ما قرّرناه يندفع عنه ما أورده عليه الفاضل التفتازاني (٢) في التّلويح ، حيث قال بعد ذكر بعض المناقشات على صاحب التّوضيح : وأعجب من ذلك توضيحه سند المنع بصفات الله تعالى ، وأنه يحمد عليها ، وبكمالات الإنسان
__________________
(١) وان شئت فراجع الى كتاب الروضة البهية لأبي عذبة من علماء الماتريدية في ما بعد القرن العاشر. وقد أسلفنا سابقا جهات الفرق بين فرقتي الماتريدية والاشاعرة وأوردنا هناك المسائل التي اختلفت فيها انظار تينك الفرقتين في الأصول والفروع بما لا مزيد عليه فراجع ، ومراده من صاحب التوضيح المولى عبيد الله الملقب بصدر الشريعة ابن مسعود بن تاج الشريعة محمود المحبوبى الحنفي المتوفى سنة ٧٤٧ العلامة المحقق في العلوم العقلية. وكتاب التوضيح في اصول الفقه وهو شرح على كتاب التنقيح من تآليف نفسه.
ثم انه عقد كسائر المؤلفين القدماء في اصول الفقه بابا في الحسن والقبح العقليين.
(٢) قد مرت ترجمته فليراجع.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
