__________________
ـ عطف مفردات ... وهذا يقال أيضا فى المثال الثالث : (إن الإهمال مفسد للأعمال والجهل) فالنصب جائز على اعتبار عطف الجملة على الجملة ؛ فيكون التقدير : إن الإهمال مفسد للأعمال وإن الجهل مفسد ... ولا يصح أن يكون عطف مفرد على مفرد ؛ كى لا يؤدى إلى عدم المطابقة اللفظية ؛ بجعل التقدير : إن الإهمال والجهل مفسد للأعمال ... وهكذا كل أسلوب آخر يشبه هذا الأسلوب. أما حيث لا مانع من عطف المفردات فيجوز مراعاته ، أو مراعاة عطف الجمل كما فى المثال الأول ... تعليل الرفع عند تأخر المعطوف أيضا عن الخبر والاسم معا :
يرى بعضهم أن سبب الرفع فى كلمة : (الشموس ـ النثر ـ الجهل ـ النفط) وأشباهها ـ هو اعتبار كل واحدة منها ، مبتدأ خبره محذوف ، يفسره خبر «إن» والجملة الاسمية التالية ، المكونة من المبتدأ وخبره المحذوف معطوف على الجملة الاسمية الأولى المكونة من «إن» ومعموليها ، فأصل الكلام إن الأقمار دائرات (والشموس دائرات) ـ إن الشعر محمود فى مواطن (والنثر محمود فى مواطن ...) وهكذا ... فالعطف عطف جملة على جملة. ويرى آخرون أن هذه الكلمات المرفوعة معطوفة على الضمير المستتر فى خبر «إن» وخاصة إن كان الخبر مشتقا وبينه وبين المعطوف فاصل ، لأن الخبر المشتق يحوى الضمير المستتر بغير تأويل ، ولان وجود الفاصل يرضى القائلين بأنه : لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل ـ ومنه المستتر ـ المستر إلا مع فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه (وهو الضمير). فكلمة. «الشموس» يجوز رفعها ؛ لأنها معطوفة على الضمير المستتر فى «دائرات» وتقدير الضمير : هى. والفاصل بينهما موجود. وكلمة. «النثر» يجوز رفعها باعتبارها معطوفة على الضمير المستتر فى كلمة : محمود ، وتقديره : هو. والفاصل موجود أيضا. وكلمة : «الجهل» معطوفة على الضمير المستتر فى كلمة : «مفسد». وتقديره : هو ، والفاصل موجود ، وهكذا ... فالعطف عطف مفردات.
ويرى فريق ثالث أن العطف إنما هو على اسم «إن» مباشرة ؛ باعتباره فى الأصل مبتدأ مرفوعا قبل مجىء الناسخ ؛ فيجوز الرفع مراعاة لذلك الأصل بشرط ألا يتعارض مع المطابقة المطلوبة بين معمولى إن.
ولكل فريق من الثلاثة ـ وغيرهم ـ أدلة فى تأييد مذهبه ، وفى الرد على معارضيه. لكن الحق أن كثيرا من الأساليب العربية الفصيحة ينطبق عليها بعض الآراء دون بعض.
* * *
ننتقل بعد ذلك إلى الحالة الثانية التى يتأخر فيها الخبر ويتقدم عليه المعطوف ؛ فيتوسط بينه وبين اسم «إن». وقد قلنا : إنه يجوز فيها الرفع والنصب أيضا. ولو لم نأخذ بهذا الرأى لوقعنا فى لجة غامرة من التمحل ، والجدل ، والتأويل الذى لا خير فيه ، والذى يمتد إلى القرآن الكريم ، والكلام الفصيح من غير داع مستساغ. وتوجيه النصب هنا يحتاج لمزيد من اليقظة والإدراك ، كما سيتبين مما يأتى :
تعليل النصب :
فى مثل : (إن القاهرة ودمشق حاضرتان ...) يجوز نصب «دمشق» على اعتبار واحد هو أنها معطوفة على اسم «إن» المنصوب ، والخبر هو : «حاضرتان» فالعطف عطف مفرد على مفرد ، ولا يجوز أن يكون عطف جملة على جملة بإعراب «دمشق» منصوبة اسم «إن» المحذوفة مع خبرها الذى يدل عليه خبر «إن» الموجودة ؛ إذ يكون التقدير : إن القاهرة حاضرتان ـ وإن دمشق حاضرة ـ فتختل المطابقة اللفظية. هذا إلى أننا سنعطف جملة على جملة لم تكمل ولم تتم. والأمران ممنوعان.
ولو أعربنا كلمة «حاضرتان» خبر «إن» المحذوفة لكان التقدير : «إن القاهرة حاضرة وإن دمشق ـ
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
