وأشباهها تسمى نكرة (١).
__________________
(١) وقد سبق تعريفها وإيضاحها فى أول باب : «النكرة والمعرفة» ص ١٨٦ والنكرة تسمى أيضا : «اسم جنس» عند جمهرة كبيرة من النحاة لا ترى فرقا بينها وبين اسم الجنس فإن كانت لمعين فهى النكرة المقصودة ؛ وإن كانت لغير معين فهى النكرة غير المقصودة ـ كما سيجىء فى باب «النداء» ج ٤ ـ وفى هذا الرأى تخفيف وتيسير من غير ضرر ؛ فيحسن الأخذ به. أما غيرهم فيرى فرقا بين الاثنين ، يوضحه بقوله الذى سبق أن لخصناه فى الباب الأول (فى ص ٢٢) ، عند الكلام على اسم الجنس ، وفى هذا الباب عند الكلام على النكرة. (هامش ص ١٨٦). ومضمونه : أن النكرة هى نفس الفرد الشائع بين أشباهه ، وهى المدلول الحقيقى المراد من اللفظ ؛ وليست معناه الخيالى المجرد ، القائم فى الذهن. وأما اسم الجنس فهو الاسم الموضوع لذلك المعنى الذهنى المجرد ؛ ليدل عليه من غير تذكر ـ فى الغالب ـ لفرد من أفراده الخارجية ، ولا استحضار لصورته فى دائرة الذهن ، ومن غير ربط ـ فى الغالب ـ بين اللفظ ومدلوله الحقيقى ؛ فكلمة : «رجل» مثلا ، إن أريد منها الجسم الحقيقى المعروف ؛ المكون من الرأس ، والجذع ، والأطراف ، فهى النكرة ؛ وتنطبق على كل جسم حقيقى به تلك الأجزاء الثلاثة بفروعها. أما إن أريد منها المعنى القائم فى الذهن لكلمة : «رجل» ، وهو المعنى الخيالى الذى يخلقه العقل ، ويتصوره بعيدا عن صورة صاحبه ، وعن استحضار هيئة فرد من الأفراد التى تنطبق عليها تلك الصورة ـ فهى اسم الجنس ، ومدلوله هو المعنى المجرد ، أو : الحقيقة الذهنية المجردة ، أو : المعنى الخيالى العام. ويوضحون ذلك بأن المعنى المجرد ، أو : الحقيقة الذهنية المجردة ، أو : المعنى الخيالى العام ـ متعدد الأصناف فى داخل الذهن ؛ فلا بد أن يكون لكل صنف اسم يميز ، من الآخر ؛ فتلك الأصاف الذهنية التى هى المعانى المجردة ... تسمى : الأجناس ، ويسمى الذى يميز كل واحد : «اسما للجنس» أو «اسم الجنس» أى : الاسم الموضوع لهذا الجنس ؛ ليفرق بينه وبين جنس آخر ؛ كما وضع «رجل» اسما للصنف المعروف من المخلوقات ، ليتميز من صنف آخر كالشجر ، والطيور.
ولكن كيف ينشأ فى الذهن هذا المعنى المجرد؟ وكيف تتكون تلك الحقيقة الذهنية فيه فتنطبق على أفراد كثيرة؟ كيف يدرك العقل معنى : شجرة ـ مثلا ـ إدراكا مجردا؟ ومن أين يصل إلى هذا؟ وكيف؟
يقولون ـ كما أشرنا فى صفحتى ٢٢ و ١٨٦ ـ إن أصناف النبات الكبير متعددة ؛ كالنخل ، والبرتقال ، والليمون ... وقد رأى المرء النخلة مرات ، وفى كل مرة يحس ويدرك شيئا من أوصافها. ثم رأى البرتقال كذلك ، ثم الليمون ... ثم .. ثم. وبعد تعدد المرات فى أزمنة متباينة ـ كشف العقل فى تلك الأشياء صفات مشتركة ، وانتزع من مجموع تلك الصفات المشتركة معنى مجردا واحدا ، ينطبق فى خارج الذهن على كل فرد من الأفراد السابقة ، وعلى مئات وآلاف غيرها تشبهها فى تلك الأوصاف التى عرفها. فماذا نسمى المعنى العقلى الخالص؟ أو : ما اسم الحقيقة الذهنية المحضة التى ولدتها تلك المشاهدات ، كى نميزها من المعانى الذهنية الأخرى الكثيرة؟ سميناها : «شجرة». فكلمة : «شجرة» هى اسم لشىء أدركه الذهن من صفات مشتركة بين أفراد خارجة عنه ، لا وجود لها فى داخله ، وإنما هى فى خارجه ؛ فليس فى الذهن شجرة حقيقية لنوع من أنواع النبات ، وإنما هى ـ كما شرحنا ـ بارزة فى خارجه. فكلمه : «شجرة» اسم يدل على جنس يدرك العقل معناه تخيلا. أما حقيقته الواقعية المجسمة ، المنطبقة على أفراده ـ فهى فى خارج الذهن. ومتى انتزع العقل المعنى المجرد أمكنه بعد ذلك أن يدرك مدلوله من غير حاجة ـ فى الغالب ـ إلى استرجاع صورة حقيقية لفرد من أفراده. وما يقال عن «شجرة» يقال عن كل معنى عام عقلى آخر ، أى : أن العقل يدرك المراد منه من غير حاجة إلى استحضار صورة من صور أفراده.
وإليك كلمة : «إنسان» أيضا ، فقد رأى المرء محمودا ، وحاتما ، وأمينا ، وفريدة ، ومية ... وتكررت مشاهدته لهذه الأفراد ، واستخدام حواسه فيها ؛ حتى استطاع العقل بعد ذلك أن ينتزع من الصفات المشتركة بينها معنى واحدا ذهنيا للإنسان ، له أفراده ومدلولاته الحقيقية الكثيرة ليست فى داخل الذهن ؛ وإنما هى فى العالم الخارجى الحسى البعيد عن النطاق الداخلى للذهن. فهو معنى واحد عام يدل على ـ
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
