للمتكلم ، أم للمخاطب ، أم للغائب ؛ فلا بد لها من شىء يزيل إبهامها ، ويفسر غموضها. فأما ضمير المتكلم والمخاطب فيفسرهما وجود صاحبهما وقت الكلام ؛ فهو حاضر يتكلم بنفسه ، أو حاضر يكلمه غيره مباشرة. وأما ضمير الغائب فصاحبه غير معروف ؛ لأنه غير حاضر ولا مشاهد ؛ فلا بد لهذا الضمير من شىء يفسره ، ويوضح المراد منه. والأصل فى هذا الشىء المفسّر الموضّح أن يكون ـ فى غير ضمير الشأن ـ متقدما على الضمير ، ومذكورا قبله (١)
__________________
ـ مثلا ـ لا يدرى المدلول كاملا ؛ أهو : نحن العرب ، أم نحن الأدباء ، أم نحن الزراع ... وبسبب هذه الشائبة من الغموض ، ولا سيما إذا كان الضمير للغائب ، ولم يوجد ما يوضحه ، وجب الاختصاص ـ أو غيره ـ لإزالتها ؛ وللاختصاص باب يجىء فى ج ٤.
أما النحاة فيطلقون الإبهام على نوعين من الأسماء دون غيرهما ؛ هما : أسماء الإشارة ، وأسماء الموصول ، وله معنى خاص فيهما. وهم يفرقون بين الضمير والمبهم ؛ على الوجه الذى سنبينه فى «ح» من ص ٣٠٥ ورقم ٣ من هامش ص ٣٠٦.
(١) الغالب أن يكون المتقدم المذكور هو ـ فى مكانه ـ أقرب شىء للضمير يصلح مرجعا ؛ ولذا يقولون إن الضمير يعود على أقرب مذكور ، إلا أن كان قبله متضايفان والمضاف ليس كلمة «كل» ولا «جميع» فالأكثر رجوعه إلى المضاف دون المضاف إليه (راجع الصبان ج ١ ، باب المعرب والمبنى ، عند الكلام على : «كلا وكلتا».
فإن كان المضاف هو كلمة : «كل» أو «جميع» فالغالب عودته على المضاف إليه ، كما نص عليه الصبان عقب الموضع السالف.
ويشترط لعودته على أقرب مذكور ألا تقوم قرينة تدل على أن المرجع هو لغير الأقرب ، فإن وجدت وجب النزول على ما تقتضيه : كالشأن معها فى كل الحالات ، إذ عليها وحدها المعول. ولها الأفضلية. ففى مثل : عاونت فتاة من أسرة تاريخها مجيد ، يعود الضمير على : «أسرة» ؛ لأنها أقرب مرجع للضمير ، ولا يصح بمقتضى الأصل السالف عودته إلى : «فتاة» بخلاف : عاونت فتاة من أسرة مجاهدة ، فقدت عائلها وهى طفلة فالضمائر عائدة على : فتاة. مراعاة لما يقتضيه المعنى.
ومثل : اعتنيت بغلاف كتاب تخيرته. فالضمير عائد على المضاف ؛ مراعاة للأكثر ، بخلاف : تخيرت غلاف كتاب صفحاته كثيرة ، لقيام القرينة الدالة على عودته للمضاف إليه .. وستجىء إشارة للحكم السالف فى مناسبة أخرى من ص ٢٣٦ عند الكلام على تعدد المراجع.
وإذا حذف المضاف الذى يصح حذفه ، جاز ـ وهو الأكثر ـ عدم الالتفات إليه عند عودة الضمائر ونحوها مما يقتضى المطابقة ، فكأنه لم يوجد ، ويجرى الكلام على هذا الاعتبار. وجاز مراعاته كأنه موجود ، مع أنه محذوف. وقد اجتمع الأمران فى قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً ، أَوْ هُمْ قائِلُونَ) والأصل : وكم من أهل قرية ؛ فرجع الضمير : «ها» مؤنثا إلى «القرية» ، ورجع الضمير : «هم» مذكرا لاعتبار المحذوف وملاحظته ولا تناقض بين الاثنين ؛ لأن الوقت مختلف. وتفصيل هذا الحكم مع عرض أمثلته المختلفة مدون فى باب الإضافة ج ٣ ص ١٣٩ م ٩٦ ج ٣ ص ١٣٩ م ٩٦.
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
