أعملنا الثاني في ضميره مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا نحو قام وقعدا أخواك» و «جاء وأكرمته محمّد» و «قام ونظرت إليهما أخواك» وأما قول عاتكة بنت عبد المطّلب :
|
بعكاظ يعشي النّاظري |
|
ن ـ إذا همو لمحوا ـ شعاعه |
فضرورة فقد أعمل الأول وهو يعشي ، فرفعت شعاعه» وعملت «لمحوا» في ضميره وحذفه ، والتقدير : «لمحوه» وإن أعملنا الثاني : فإن احتاج الأول لمرفوع أضمر ، لامتناع حذف العمدة ، ولأنّ الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب نحو «ربّه رجلا» (١) و «نعم فتى».
وجاء الإضمار قبل الذكر في التنازع من كلام العرب نثر وشعر ، فالنثر نحو قول بعض العرب «ضربوني وضربت قومك» بنصب «قومك» والشعر كقول الشاعر :
|
جفوني ، ولم أجف الأخلاء إنني |
|
لغير جميل من خليليّ مهمل (٢) |
وإن أعملنا الثاني ، واحتاج الأوّل لمنصوب لفظا ، أو محلّا (٣) وجب حذف المنصوب لأنه فضلة ، وليس من ضرورة فيها أن يعود الضمير على متأخّر لفظا ورتبة ، وأمّا قول الشاعر :
|
إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب |
|
جهارا فكن في الغيب أحفظ للود |
بإعمال الثاني وهو «يرضيك» وإضمار المفعول في الأوّل وهو ترضيه ، فهذا ضرورة عند الجمهور ويستثنى من إعمال الثاني وإضمار الفضلة في الأوّل صور ثلاث وهي : إن أوقع حذف المنصوب في لبس ، أو كان العامل من باب «كان» أو من باب «ظنّ» وجب إضمار المعمول مؤخّرا ، في المسائل الثلاث : فالأوّل نحو «استعنت واستعان عليّ محمّد به» (٤) فلو حذف لفظ «به» لوقع اللبس.
__________________
(١) فرجلا : تمييز ، ورتبة التمييز التأخير والضمير في ربه عائد عليه ، وهو متأخر لفظا ورتبة.
ومثله «نعم فتى» فاعل نعم يعود على «فتى» وفتى : تمييز ، فعاد على متأخر لفظا ورتبة.
(٢) فانت ترى أنه اعمل الثاني ، فنصب الاخلاء ، ـ ـ وعمل الأول في الواو العائدة على الاخلاء ، و «الاخلاء» جمع خليل.
(٣) لفظا : هو ما يصل إليه العامل بنفسه ، ومحلا : هو ما يصل إليه العامل بواسطة حرف جر.
(٤) ف «استعنت» يطلب «محمدا» مجرورا بالباء ، والثاني يطلبه فاعلا : لأنه استوفى معموله المجرور بعلى فأعملنا الثاني وأضمرنا ضمير محمد مجرورا بالباء مؤخرا وقلنا «به» فمعنى المثال في غير التنازع «استعان علي محمد واستعنت به» ولو أضمرناه مقدما قبل استعان ، لقلنا : «استعنت ـ ـ به واستعان علي محمد فيلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، وهذا لا يتساهل فيه بالتنازع إلا في الفاعل ولو حذفناه أوقع في اللبس فلا يعلم هل «محمد» مستعان به أو عليه.
