طأطأ كل شريف لشرفهم ، وبخع كلّ متكبر لطاعتهم ، وخضع كلّ جبار لفضلهم ، وذلّ كلّ شيء لهم ، وأشرقت الأرض بنورهم ، وفاز الفائزون بولايتهم ، بهم يسلك إلى الرضوان ، وعلى من جحد ولا يتهم غضب الرحمن ، كلامهم نور ، وأمرهم رشد ، ووصيتهم التقوى ، وفعلهم الخير ، وعادتهم الإحسان ، وسجيّتهم الكرم ، وشأنهم الحق ، والصدق ، والرفق ، وقولهم حكم ، وحتم ، ورأيهم علم ، وحلم ، وحزم ، إن ذكر الخير ، كانوا أوله ، وأصله ، وفرعه ، ومعدنه ، ومأواه ، ومنتهاه ... خلاف ما عليه أئمة العامة ، ورواتهم لذلك راح الحسد يأكل في وجودهم ، وتلتهب شرارته في نفوسهم ، وظهرت آثاره على فلتات ألسنتهم ، وهو الشتم ، والقدح ، والبذاءة في القول (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) (١) (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) (٢) (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها) (٣).
فالحسود لا يخلو لحظة عن الغم والحزن ، لأنّه يتألم ويحزن لكل نعمة يراها في غيره ، ونعم الله تعالى غير متناهية لا تنقطع عن عباده الصالحين ، فيدوم أسفه وكآبته ، وحينئذ يعود عليه وبال حسده ، ولا يضر المحسود شيئا ، وإنّما يوجب ازدياد حسناته ، ورفع درجاته من حيث إنّه يعيبه ويرميه ، ويقذفه بما لا يجوز في مفهوم الشريعة ، فيكون ظالما له ويحمل عليه من أوزاره وعصيانه ، وتنتقل صالحات أعماله إلى صحيفته ، فحسده لا يؤثر فيه إلّا الخير والنفع.
ومن ناحية أخرى يكون في مقام محاربة الله سبحانه ، والتعاند ، والتخاصم مع خالق العباد ، إذ هو الذي أفاض النّعم ، والخيرات ، والفضائل على البرايا ، كما شاء وأراد ، بمقتضى حكمته ومشيته ، فحكمته البالغة الحقة أوجبت بقاء ، ودوام النعمة على هذا العبد المحسود الّذي يعمل ويتشبث الحاسد المسكين لزوالها وإبادتها عنه ، وهل هو إلّا سخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض ،
__________________
(١) سورة النساء / ٥٤.
(٢) سورة البقرة / ١٠٩.
(٣) سورة آل عمران / ١٢٠.
![أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والرّواة عنه [ ج ١ ] أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والرّواة عنه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2545_ashab-amir-almuminin-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
