مجموعة ولايات دار الإسلام باعتبارها جزءا منها ووحدة تشبه الوحدات الأخرى بل وحدة مهمة نسبيا. وانطلاقا من هذا ، فهي خاضعة بالضرورة إلى نفس الآليات الجبائية. لقد كانت إفريقية قطعا أرضا خاضعة للخراج (١) مثلما تشهد على ذلك أيضا مصادر مختلفة كمدوّنة سحنون (٢) وفتوح مصر لابن عبد الحكم. هذه المصادر لا تقيم الدليل القاطع إذا ما أخذت منعزلة ، أمّا إذا أدمجناها في نسق عام وفهمناها حقّ فهمها فإنها توصلنا إلى هذه القناعة.
هل يمكن الاعتماد على مصادر فقهية متأخّرة لتدقيق وضع إفريقية الجبائي ، من مثل الدّاودي وابن أبي زيد القيرواني وملخّصه المتأخّر المغربي الفاسي (٣)؟ فهي تتحدّث عن أرض العنوة وأرض الصّلح أو أنّ أرض إفريقية كلّها أرض عنوة وهي الفكرة الغالبة ، ويعني هذا أرض خراج وجزية. في هذه النّصوص يوجد دون شكّ جانب نظري وهي بعد ذلك متأخّرة زمنيا ، لكنّ الجانب التاريخي الموروث عن القدامى والمسلّط على واقع كان موجودا لا يمكن الطعن فيه. والكتب الفقهية أقرب إلى الماضي ممّا هي إلى حاضرها بالذّات ، لأنّ الماضي يمثّل
__________________
(١) لفظة" خراج" قد تعني الضريبة بالمعنى العامّ أو ضريبة الأرض خاصّة. كذلك ، " الجزية" قد تعني نفس الشيء أو بصفة خاصّة الضريبة على الرؤوس : دانات ، مرجع مذكور ، ص ص ١٢ ـ ١٣.
(٢) المدوّنة ، ج ١١ ، ص ص ١٧٥ و ٢٠٠. سحنون يطرح أسئلة على ابن القاسم بخصوص" الخراج" دون الإشارة إلى وضع إفريقية وبصفة عامّة. إنّ أسئلة المدوّنة تتبع في بعض الأحيان عن كثب إشكاليات" أسدية" ابن الفرات ، لكنّ سحنونا لا بدّ أنه اعتمد على تجربته الذاتية. ووسط مساءلات خيالية أو نظرية ، نستشفّ أيضا مشاكل قد تطرأ في الواقع. فمثلا تحصل إجارات أراض خراجية أو أراضي" صلح". وابن القاسم يعطي حلوله مستشهدا بما يجري في مصر ، ص ١٧٥. ويمكن للمؤرّخ أن يرجع إلى المدوّنة شرط أن يحسن تأويل هذا الحوار بين الفقيهين في اتّجاه ما هو حسّي وواقعي من وراء الإمكانات الخيالية المطروحة.
(٣) الأجوبة الفاسية تسترجع إشكاليات كانت قائمة زمن ابن أبي زيد ولعلّ هذا الأخير يرجع هو أيضا إلى سوابق قديمة. فتقول إنّ الجبال أراضي" صلح" والسهول أراضي" عنوة" أي خاضعة للخراج.
