الرسالة الثامنة
عشرة بغداد في ٢ كانون الثاني ١٦١٧
«كان من المقرر أن أغادر بغداد عشية عيد الميلاد ، كما كتبت إلى سيادتكم وذلك برفقة بعض التجار الفرس الموجودين هنا والذين قرروا العودة إلى ديارهم. فلما رأوني عازما على السفر بالرغم من نشوب الحرب ، اتفقنا على الرحيل سوية. وكان للمكارين الذين اتفقت معهم على السفر رسائل توصية من الوالي تسمح لهم بالمرور. كما كان لي بعض الأصدقاء المسلمين في الجبهة باستطاعتهم إرسال بعض الجنود برفقتنا بضعة أيام. لكن التجار الفرس تأخروا في إعداد لوازم السفر فاضطررت إلى الانتظار حتى اليوم فأنا على أتم الاستعداد للرحيل ، وقد نقلت خيامي وأمتعتي خارج المدينة وسأقضي هذه الليلة في البيت لأرحل عند أية إشارة تبدر من أولئك الرجال ، ولعل ذلك يتحقق اليوم أو غدا أو بعده. مهما يكن فلن يطول الانتظار.
في هذه الأيام الأخيرة التي أمضيتها في بغداد ، وقعت في يدي بعض الأشياء الجديرة بالاهتمام ، ويطيب لي أن أشارك سيادتكم بالاطلاع عليها ، ولذلك حررت هذه الرسالة المختصرة وسأبعثها مع نماذج قليلة من الأشياء التي سأذكرها الآن.
أول هذه الأشياء هي جذور عطرة ولقد كسرتها إلى قطع لأضعها داخل الظرف ويوجد منها أنواع متباينة في الغلظ. ويقول العارفون بالعقاقير والأفاوية أن الحجم الطبيعي يكون كالراوند (١) ومصدر هذه الجذور من بلاد التتر فإن أولئك القوم يأتون إلى هنا حاملين المسك ويسمى هنا السنبل الخطوي والنسبة إلى خطا (٢) ليميز عن سنبل الرند ولهما رائحة مشابهة ، وقد بدأ استيراد هذا السنبل إلى بغداد منذ سنتين فقط ووصل منه إلى حلب ، وانتشر في البلاد العثمانية لكنه لم يصل بعد إلى إيطاليا حسب اطلاعي ويستعمله القوم
__________________
(١) انظر الملحق (٧) أيضا.
(٢) أبو الفداء : تقويم البلدان ص ٥٠٤ ـ ٥٠٥.
