تحتاج إلى اتخاذ الحيطة والحذر في الحديث ، وليس بالسهل روايتها. وسأحاول أن أفعل ذلك بطريقة لائقة ، إلّا أنها مفهومة ، وإن اللبيب من الإشارة يفهم!
لقد فقد الحج كثيرا من ألقه ؛ فالفقراء والمساكين يؤدون هذا الواجب الديني بأعداد كبيرة ؛ وهم إمّا ممن فترت عواطفهم ، وإما من الشباب ، وإما من المقترين ، أما الأغنياء فإنهم عزفوا عن أداء الحج ؛ فلم نعد نرى سلاطين الماضي العظماء يأتون من كل بقاع العالم الإسلامي / ١٥٠ / ليظهروا بهذه المناسبة الاحتفالية كرمهم ، وليكون حجهم مادة لذكريات رائعة يمكن إدراجها في عداد الحكايات الخيالية في ألف ليلة وليلة. مع ذلك فإن الحج الأخير شهد قدوم سيدة جليلة من أعماق بلاد فارس ، كانت على ما أظن أرملة ، وهي ، وإن كانت لم تظهر من آيات البذخ ما يظهره القادمون من بلاد فارس أو من إستانبول أو من بقية بلدان الشرق الإسلامي ، كانت تسافر ، وبرفقتها حاشية لا يستهان بها. لقد كان معها خصي أسود مقصور على خدمتها ، وكان يقوم لديها بوظيفة أمين الصندوق والقيّم. لقد قدمت الحاجة الشهيرة من مصر ، وزودها القنصل البريطاني العام برسالة توصية إلى السيد كول ، لست أدري بأي قصد ، وقد أكد لي السيد كول كل تفاصيل المغامرة الغريبة. عند ما وصلت إلى جدة انقض رجال الجمارك على أمتعتها كما لو أنهم ينقضون على فريسة ، وبضراوة شرسة تتميز بها مصلحة الضرائب في كل البلاد ، اطلع رجال الجمارك على كل شيء عدا صندوق امتنع الخصي بإصرار عن فتحه بأمر صريح من سيدته ، ودارت بشأنه محادثات طويلة ، وكلما كان الإصرار على عدم فتحه عنيدا ، ازداد إلحاح الجمارك على ضرورة ذلك ، وزادت شكوكهم بسبب ما يرونه من مقاومة. ولما اغتاظت السيدة صرحت في آخر الأمر للجمارك ؛ أنهم إذا أصروا على فتح هذا الصندوق الذي دار حوله نقاش كثير فإنها / ١٥١ / لن تسحبه أبدا ، وستنكر ملكيتها له. ولم يكن لاعتراضاتها أية فاعلية ، وفتح الصندوق على الرغم من كل معارضتها الشرسة. ما الذي كان في ذلك الصندوق العجيب؟ إن كان فضولكم يدفعكم إلى معرفة ذلك
