الذين اخذوا يتوجسون منه. ويظهر ان المنتصر بالله اخذ يشعر بالندم وتأنيب الضمير لمساهمته في مؤامرة قتل ابيه. لا سيما وان الأمر انتشر بين الناس عامتهم وخاصتهم بأنه قاتل ابيه ، وان مدة حياته لا تطول اكثر من ستة اشهر بعد ابيه ، وهي المدة التي عاشها شيرويه الفارسي قاتل ابيه. وهناك قصة تروى عن بساط كان مفروشا في احد الأروقة في القصر ، وعليه صورة فرس عليه راكب وعلى رأسه تاج ، وحول الصورة كتابة بالفارسية ، لفتت نظر المنتصر بالله ، فترجمت له. فاذا هي صورة شيرويه قاتل ابيه ابرويز الملك وانه عاش بعده ستة اشهر ، فلما سمع ذلك تغير وجهه وقام من مجلسه (١). ويظهر من رواية المسعودي للخبر ان البساط المذكور كان تحت المتوكل على الله ليلة اغتياله ، وعليه آثار من الدماء (٢). ولعل ذلك كان مبعث تشاؤم المنتصر بالله وتغير وجهه.
لا شك في ان الشعور بالذنب او الندم هو ضريبة الجريمة. وكلما اعتقد المجرم بعظم جرمه وفداحة ما ارتكبه من اثم ازداد هذا الشعور ، فيعيش صاحبه في جو خانق من الخوف والقلق ، مما يسبب له آلاما نفسية مبرحة ، وتوترا عصبيا مستمرا. وقد كثرت نتيجة لوضع المنتصر بالله النفسي احلامه التي كانت انعكاسا لشعوره بالأثم وندمه على فعلته. وكان لهذا الوضع النفسي السىء الذى صار اليه المنتصر بالله رد فعل شديد تمثل بحنقه الزائد على القواد الاتراك وبخاصة اولئك الذين قتلوا اباه.
__________________
(٣٨) تفصيل قصة البساط في : مروج الذهب ٤ / ١٣٠ ـ ١٣١ ، ونشوار المحاضرة ٥ / ١٨٣ ـ ١٨٤ وفيه ان صاحب الصورة هو شيرويه بن كسرى هرمز.
(٣٩) مروج الذهب ٤ / ١٣١.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ١ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2439_samarra-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
