لقد استطاع المعتصم بالله ان يقضي على ثورة بابك الخرمي التي كانت قد استفحل امرها وشغلت خلفاء بغداد ما يقرب من خمسة عشر عاما ، وان يشتت شمل قبائل الزط التي عاثت في البلاد فسادا ، وان يكسر شوكة الدولة البيزنطية ويهدد القسطنطينية بفتحه عمورية وكثير من الحصون الرومية ، ويقضي على حركة الأفشين والمازيار الانفصالية. وبذلك هيأ لابنه الواثق بالله عهدا من الهدوء والاستقرار نعمت به ارجاء الدولة العربية طيلة حكمه ، سوى بعض حركات التمرد الموضعية. وكان من المنتظر ان يستأنف الواثق بالله غزو بلاد الروم ويقضي على الدولة البيزنطية المرهقة والتي بان ضعفها عند ما هاجمها ابوه. الا انه كان بطبيعته فنانا يعشق الشعر والموسيقى والغناء ، ويميل الى الآداب والعلوم والمناقشة في المجالس العلمية والادبية ، ويؤثر حياة الدعة والهدوء. فانصرف الى اللهو والشعر والغناء والمجالس ، وساعد على ازدهار الحالة الاقتصادية.
اما من الناحية السياسية فقد انتهج خطة عمه المأمون في سياسة التسامح واللين مع العلويين ، والدفاع عن حرية الرأى ومناصرة المعتزلة ، الا انه في الناحية العسكرية اتبع سياسة ابيه في الاعتماد على الجند الاتراك الذين ازداد نفوذهم على عهده ، وتوسع سلطانهم وتدخلهم في شؤون الدولة. مما كان له اثر مهم في اضعاف الخلافة خاصة والدولة العربية بصورة عامة. اذ انصرف هؤلاء الى العمل على تطمين مصالحهم وتأمين ارزاق جندهم غير مبالين بمصلحة الخلافة والدولة ، بل انهم استغلوهما لتحقيق غاياتهم. وسنشير الى نتائج هذه السياسة وتأثيرها في الفصل الخاص بالنزاع بين الخلفاء والجند الاتراك.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ١ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2439_samarra-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
