وكتب عبد الله ابن المعتز الى صديق له يمدح سر من رأى ويصف خرابها ، ويذم بغداد واهلها ، ويفضل سامرا ، نجتزىء منه بعض الفقرات (١) : كتبت اليك من بلدة قد انهض الدهر سكانها ، واقعد جدرانها ، فشاهد اليأس فيها ينطق ، وحبل الرجاء فيها يقصر ، فكأن عمرها يطوى ، وكأن خرابها ينشر ، وقد وكلت الى الهجر نواحيها ، واستحث باقيها الى فانيها. وقد تمزقت باهلها الديار ، فما يجب فيها حق جوار ، فالظاعن منها ممحو الأثر ، والمقيم بها على طرف سفر ، نهاره ارجاف وسروره احلام ، ليس له زاد فيرحل ولا مرعى فيرتع. فحالها تصف للعيون الشكوى ، وتشير الى ذم الدنيا ، بعد ما كانت بالمرأى القريب جنة الأرض وقرار الملك ، تفيض بالجنود اقطارها ، عليهم اردية السيوف وغلائل الحديد ، كأن رماحهم قرون الوعول ، ودروعهم زبد السيول ، على خيل تأكل الأرض بحوافرها .. على انها وان جفيت معشوقة السكنى ، وحبيبة المثوى ، كوكبها يقظان ، وجوها عريان ، وحصاها جوهر ، ونسيمها معطر ، وترابها مسك أذفر ، وشرابها مرىء .. لا كبغدادكم الوسخة السماء ، الومرة الهواء ، جوها نار وارضها خيار ، وماؤها حميم ، وترابها سرجين ، وحيطانها نزوز ، وتشرينها تموز. فكم في شمسها من محترق ، وفي ظلها من عرق ، ضيقة الديار ، قاسية الجوار ، ساطعة الدخان قليلة الضيفان. اهلها ذئاب ، وكلامهم سباب ، وسائلهم محروم ومالهم مكتوم لا يجوز انفاقه ولا يحل خناقه ، حشوشهم مسايل وطرقهم مزابل ، وحيطانهم اخصاص وبيوتهم اقفاص ، ولكل مكروه أجل ، وللبقاع دول ، والدهر يسير بالمقيم ويمزج البؤس بالنعيم. وبعد اللجاجة انتهاء ، والهم الى فرجة ، ولكل سابلة قرار ، وبالله استعين ، وهو محمود على كل حال :
__________________
(٢٥) معجم البلدان ٣ / ١٧٧ ـ ١٧٨.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ١ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2439_samarra-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
