كما احتلت هاتين المدينتين حامية من العسكر البشناق أرسلها السلطان سليم ، وما زال أحفادهم أحياء والجزيرة غنية بالزرع على ساحلها الشرقى. حيث يجرى فرع النيل الرئيسى ، أما ساحلها الغربى فقد لاح أجرد مقفرا. ويبلغ عرضها ميلين ، وفى وسطها تل عال أو جبل. وفى جانبها الغربى مخاضة يعبر منها النهر فى هذا الفصل. وكان فى نيتى أن أعبره عند رجوعى من المحس لأرتاد الجزيرة ، ولكننى منيت بالفشل كما سيرى القارىء. ذلك أنه لا يوجد بالجزيرة رمث أو معدّية ، وإذا اضطر النوبيون للعبور إلى ضفة النهر سبحوا إليها رابطين على رؤوسهم مزاريقهم أو حرابهم. على أن عندى ما يحملنى على الظن بأنه ليس بجزيرة صاى آثار من أى نوع خلا هذا الحصن الذى ذكرت ، ولعله يرجع إلى نفس العهد الذى شيد فيه حصن إبريم.
وبعد ساعتين ونصف من عبرى يتجه الطريق جنوبا بغرب ملتزما النهر تجاه صاى ويحف بالشاطىء حرج كثيف من النخيل. وبعد ثلاث ساعات بلغنا قوبق. وتغطى السهل هنا قبور الأولياء النوبيين. وبعد أربع ساعاب بلغنا وادى حميدة (١) ويقع أمامه الطرف الجنوبى لجزيرة صاى. ولوادى حميدة ملك من قبيلة حميدة العربية ، وهو تابع لأمراء النوبة. وعلى الضفة الشرقية للنهر رصيف كبير صنع من قطع ضخمة من الحجر الرملى كوّم بعضها فوق بعض بغير نظام. وعلى الجانبين مساكن كثيرة وأحراج من النخيل. ويخيل إلىّ أن وادى حميدة أكثر عمرانا من أى بقعة صادفتها جنوبى إبريم. وبلح سكوت وصاى يفضل البلح الإبريمى ، بل يفضل كل أنواع البلح الذى ينمو على ضفاف النيل من سنّار إلى الاسكندرية شمالا ، وهو كبير الحجم إذ يبلغ طول البلحة منه عادة ثلاث بوصات. ولا يصل من هذا البلح إلى شمال النوبة إلا القليل الذى يرسل على سبيل الهدية ، لأن السفن لا تستطيع أن تمخر النيل فى بطن الحجر إلى الشمال. يباع هذا القليل لعرب الشايقية الذين يأتون هنا فى قوافل كبيرة ويقايضون عليه بالذرة (بواقع كيل من الذرة لقاء
__________________
(*) فى الجبال الواقعة إلى الشرق من البحر الميت بدو يسمون بنى حميدة.
