ومتقينها تارة أخرى بحيث لا يتجه الرمث تجاه الشاطىء رأسا. وقابلنى الحاكم الشيخ فى برود ، ثم قال لى «ليس الجنوب بالإقليم الذى يسلكه مثلك فى غير قافلة» وسألته أن يزودنى بخطاب توصية لولده ، وكان يحكم جنوب سكوت ، فأمر كاتبه (١) أن يخط بضعة سطور على طرف خطاب قديم ، وهو ما تيسر من ورق .. وقد سألنى عن مهمتى مرارا فأجبت بأننى أحمل خطابات من إسنا لولدى كاشف بالمحس. وبعد أن بقيت معه ساعة من الزمان انصرفت وعبرت النهر عائدا أدراجى واستأنفت رحلتى. وكنا نركب فوق أرض جبلية عاد فيها الحجر الرملى يظهر بين الحصى الأشهب والفلسپار. حتى إذا سرنا ساعتين ونصفا من كولب بلغنا وادى دال الذى يمكن أن نعده الطرف الجنوبى لبطن الحجر. وعند دال تقطع النهر جلاميد ضخمة من الجرانيت فتأخذ عليه مجراه فى غير نظام ، وينشأ عنها جنادل يرغى الماء عندها ويزيد ، ويتكون فيها عدة جزائر صخرية يقوم على إحداها بناء كبير متهدم من الآجر. وهنا انفرجت الأرض أمامنا فسرنا نصف ساعة على شاطىء تربته صالحة للزراعة ، يزخر بنخيل تقوم فى وسطه مدينة خربة تدعى الدابة. وبعد أن سرنا ساعة أخرى على السهل ملتزمين النهر بلغنا قرية سركاماتو وفيها قضينا الليل. ويجلب أهالى سركاماتو الملح الصخرى من [واحة] سليمة التى تبعد يومين ونصفا فى الصحراء الغربية ، وهى محطة لقافلة دارفور فى طريقها لأسيوط. وكلما مرت القافلة بسليمة خف إليها النوبيون ليبيعوا المسافرين التمر وغيره من الزاد. ويوجد الملح الصخرى أيضا فى كل أجزاء الجبل الشرقى جنوب قنا ، ويجمعه فلاحو مصر والنوبة ؛ ولكن مذاقة كريه لأن فيه حلاوة تمتزج بالمرارة.
__________________
(*) يتعلم النوبيون القلائل الملمون بالكتابة والذين يعملون كتابا للحكام على يد فقراء الدامر ، جنوبى القوز [بربر] الواردة فى خريطة بروس ، وهؤلاء كلهم علماء يختلفون إلى القاهرة كما ذكرت ليجاوروا فى الأزهر ، وفى طريقهم إلى مصر ينزلون على بيوت ذوى اليسار من الأهالى ، ويعلمون أبناءهم القراءة والكتابة. كذلك يوفد كثير من أبناء سكوت والمحس لمدرسة عرب الشايقية حيث يظلون عشر سنين أو يزيد يأكلون ويتلقون العلم مجانا على يد علماء هذه القبيلة.
