ولأهل الجزيرة قاض ومفت ومدرسة أميرية ، وفقيه أو فقيهان ينتميان إلى طبقة العلماء ، وقد تقلد زعيمهم وعين أعيانهم وظيفة الأغا إبان حكم الشريف ، أما اليوم فهو يتزعم حركة المعارضة للأغا الحالى الذى نصبه محمد على ، والذى استحق نقد خصمه على تصرفاته الرسمية. وقبل أن أبرح سواكن أرسل إلىّ القاضى فوافيته سرا فى بيته ، وسلمنى رسالة رجانى أن أحملها إلى الحجاز ، وأسلمها لمحمد على شخصيا. وتتضمن الرسالة شكاوى من يمك والحداربة ، فقد نعتهم الكاتب بالعصيان والتمرد ، وآية ذلك أنهم أبوا التعامل فى بلدهم بعملة محمد على وبالقروش المصرية ، ونكلوا عن فريضة الجمعة حين أضيف الدعاء فى الخطبة للسلطان والباشا. أما يمك فقد رماه الكاتب بأنه معرة للاتراك ، وزعم أنه يرتعد فرقا من البدو ، وأنه لوث مركزه بالانغماس فى شهواته المنحرفة (١). وكان إنشاء الرسالة خليطا عجيبا ما أنزل الله به من سلطان ، فقد خلعت على الباشا أسخف الألقاب وأبعثها على السخرية ، فأطلقت عليه فيما أطلقت «أسد البر وفيل البحر». وقد وقعها وختمها اثنا عشر متظلما ، وبالرغم من أننى لم أسلمها بنفسى فى الحجاز ، فقد استوثقت من أنها سلمت للباشا كما طلب إلىّ.
ولا يستعمل السواكنية من الأسلحة إلا أقلها ، وندر من أهل القيف من يجرؤ على إطلاق النار. وسلاحهم سلاح النوبيين ، أى السيف والرمح والدرقة والمدية. وفى المدينة نحو اثنى عشر جوادا. فإذا نشبت الحرب امتطى أشجع شجعانهم الهجن وباغتوا العدو. ويكاد كل بيت فى القيف يملك هجينا. وبدو القيف ليسوا أكثر من بدو الصحراء احتفالا بدينهم ، ولو تحريت مدى علمهم به لما وجدت بينهم من يعرف كيف يصلى الفريضة إلا الأقلّين ، بل إنهم ـ فيما روى لى ـ قل أن يصوموا رمضان. أما فى المدينة فالقوم يدققون فى القيام بالفرائض تدقيق كل الشعوب المشتغلة بالملاحة.
__________________
(*) قد تكون هذه هى الرذيلة الوحيدة التى لم تتغلغل بعد فى قلب إفريقية ، فقد سمعت الإفريقيين من جميع الطبقات يستهجنون أشد الاستهجان ما يرويه الحجاج العائدون إلى أوطانهم عن انحرافات الترك والأعراب.
