نسيج وحده قوة وبأسا وجرأة واقتحاما ، وبعد أن ارتكب أبشع الجرائم وقتل نيفا وعشرين شخصا ترك سيده ، وكان ما يزال يبسط عليه حمايته بدافع الخوف منه. ثم لقى العبد حتفه آخر الأمر على يد فتى حاول العبد أن يغتصب أمه. وكنت ذات يوم جالسا مع الأغا فإذا ملاح مسكين يدخل علينا وجنبه يقطر دما من طعنة سيف وهو يستغيث به من حدربى أراد الفتك به ، فأوصاه الأغا أن يفض خصومته مع الرجل بالحسنى ، ثم نفحه بكيلتين من الذرة ليطيّب خاطره. وأهل سواكن ـ كأهل التاكة ـ لا يعرفون لقرى الضيف معنى ، وتنتشر هناك المواخير انتشارها فى أى ناحية من نواحى النوبة ، ولكنى لا أعتقد أن امرأة من الحداربة تجرؤ على احتراف الدعارة جهرا. ولا يملك محال للعطارة بالسوق سوى عاهرات من عتائق الحبشيات .. ونساء القيف سافرات ، أما نساء الجزيرة فيتحجبن ويلبسن لبس النساء فى شبه جزيرة العرب.
وبالجزيرة مقهى واحد يقضى فيه أهل المدينة والحداربة أهم مصالحهم ويؤدون ثمن القهوة ذرة. ووسيلة الانتقال بين القيف والجزيرة الطوف أو الرمث ، ويعطون الرجل الذى يديره حفنة من الذرة ، ولكن السواكنية ضنينون حتى بهذا الأجر الضئيل ؛ فترى الرجل منهم يخلع ثوبه ويعقده مع خفيه وسيفه فوق رأسه ثم يعبر القنال سانحا كما يعبر المصريون النيل. ولم أر سباحين أحذق منهم ولا أبرع ، وهم أمهر ما يكونون فى الاحتفاظ بالجسم حتى قمة الكتف منتصبا فى الماء بينما يسبح الرجل باطرافه السفلى كأنما يمشى على أرض ثابتة ، ولا تكاد سرعته فى السباحة تقل عن سرعة السائر على الأرض (١).
والبشارية هى لغة الكلام الغالبة فى سواكن ، أما العربية فيتكلمونها بلهجة سقيمة مع أن أهل القيف جميعا يفهمونها ، ولكن أهل المدينة يتكلمونها بوصفها لغتهم القومية ، وينطقونها بلهجة أهل جدة. وقد رأيت بين جيرانهم الهدندوة الذين يجلبون لسوق القيف السمن والغنم كثيرين يجهلون العربية جهلا مطبقا.
__________________
(*) يسمى هذا الضرب من السباحة فى بحيرات سويسرة «دوس الماء»
Das Wasser Stampfen
