والسواكنية يشاركون جيرانهم بدو الصحراء هذه الرذائل ويفوقونهم غلظة وقسوة. وإذا كان التجار السواكنية فى القافلة قد أمسكوا عن الإساءة إلىّ فلا يتخذن القارىء هذا دليلا على رقة فيهم أو حنان ، فإن خوفهم من الترك ـ وهو خوف أشاعة فى قلوبهم فتح محمد على للحجاز ـ وخوفهم من أن يناقشوا أعسر الحساب لو عرف فى سواكن وجدة أنهم أساءوا معاملة «عثمانلى (١)» مثلى ـ هذا الخوف كان على الأرجح وازعا قويا يكف عنى أذاهم ، وإن لم يبلغ من القوة مبلغا يحملهم على إبداء أقل عطف نحوى خلال الرحلة. ولست أذكر أنهم تنازلوا ولو مرة فعاونونى على وسق جملى أو ملء قربتى ، أو فسروا لى مرة ما يعجم علىّ من كلام القوم ، أو أدوا لى خدمة من هذه الخدمات الصغيرة التى يؤديها المسافرون بعضهم لبعض. بل إنهم ـ على نقيض ذلك ـ أكرهونى غير مرة على أن أقاسمهم زادى ومائى ، وكثيرا ما أرسلوا إلىّ فى العشاء عبيدهم يسألوننى بعض عشائى لسادتهم أو يستأذوننى فى أن يشارك أحد عبيدهم عبدى طعامه بحجة أنه لم يجد وقتا يطهو فيه عشاءه. وقد كانت مخالطة السواكنية للبدو النوبيين ، وعدم استقرار حكومتهم ، أهم الأسباب فيما أصاب أخلاقهم العربية القديمة من انحلال وتدهور. وأنت تجد لهم ـ أنى تنقلت بين سواحل البحر الأحمر ـ طابعا واحدا يتميزون به هو الجشع والعقوق ، أو كما قال عنهم عربى من أهل ينبع «حتى إذا سقيتهم من ماء زمزم فيخلوك تموت من الظمأ ولو كان بيرهم مليان». ويشهد على هذا الطبع كل من أتيح له الاطلاع على دخائل بيوتهم. وفى سواكن لا يحترم الناس غير قانون الغابة وحده ، ومن العبث أن تحاول أداء مصلحة لك فى المدينة ما لم تشتر حماية حدربى ذى بأس. وتنشب المعارك الدامية بين السكان كل يوم ، وترى على جسومهم ـ ولا سيما على ظهورهم ـ ندوب الجراح التى يصابون بها فى هذه المعارك. وليس القتل عندهم نقيصة تغض من قدر الرجل ، بل إنه ليفاخر بعدد صرعاه فى هذه المشاجرات وبما أدى من دية عنهم. وقبل ثلاث سنوات أو أربع روع أهل المدينة كلها عبد لأحد كبار الحداربة. وكان العبد
__________________
(*) اتخذت لنفسى لقب «عثمانلى» حين بارحت شندى بعد أن سمعت فيها أن للباشا عاملا بسواكن وآخر بمصوع.
