وخمسمائة مجلوبين من الداخل كما قيل لى فى جدة بعد ذلك). ومن هذه النقط الأربعة ، ومن ثغور الحبشة الجنوبية ، ومن ساحل الصومال وموزمبيق ، يصل مصر وبلاد العرب مدد سنوى من العبيد يقدر بخمسة عشر ألفا أو عشرين جلبوا من قلب إفريقية.
وتنصب سوق سواكن بالقيف فى ساحة مكشوفة تحيط بها أكواخ تعرض فيها نفس السلع التى تعرض فى سوق شندى تقريبا ، وفيها يقايض البدو على الجلود ويأخذون حاجتهم من الذرة والدمور. ويجبى الحداربة والهدندوة الذين يحتكرون التجارة مع التاكة الأرباح الطائلة من بيع الذرة للبدو الشماليين. ورأيت فى سوق القيف كيزان الذره معروضة للبيع ، ولم أكن رأيتها منذ أربعة شهور ، ولا غذاء لفقراء سواكن سوى هذه الكيزان يأكلونها بالسمن. ويتعامل القوم فى جميع الصفقات الصغيرة بالذرة ، ويكيلونها بالحفنة أو بالمدّ المعاير المستعمل فى شندى. أما فى الصفقات الكبيرة فالعملة المتداولة هى الريال دون غيره ، فهم لا يعترفون بالقرش ولا بالبارة ولا بعملة الذهب التركية. على أن عندهم ضربا من البارات القديمة يقطعونه أرباعا ويشترون به السلع الرخيصة. ويؤدون الثمن فى أغلى الصفقات بالأوقية من الذهب ، وقيمتها بالريال محددة.
وخلق السواكنية هو خلق القوم فى داخل البلاد على ما وصفت من قبل ، وعندى ما يحملنى على الاعتقاد بأنه هو الخلق السائد فى شرق إفريقية كله ، بما فيه الحبشة ، فليس بين طباع أهلها ـ كما وصفها بروس ـ وطباع النوبيين فرق يذكر. ويؤسفنى أن أضطر إلى رسم هذه الصورة القاتمة لجميع الشعوب الإفريقية التى رأيتها إلى الآن. ولو كانت خبرتى بهم خبرة سطحية لأحجمت عن الحكم عليهم هذا الحكم القاطع ، ولكنى جبت بلادهم فى زى أتاح لى معرفتهم معرفة وثيقة (١) ، لذلك أرانى مضطرا إلى مصارحة القارئ برأيى فيهم ، فهم قد تفشت بينهم ـ بدرجات متفاونه ـ رذائل خراب الذمة والجشع وإدمان الخمر وما إليه.
__________________
(*) إن سوء معاملته ـ وهو سر تحامله عليهم ـ يرجع إلى ارتيابهم فى أمره : أهو جاسوس؟ وإن صح ذلك فلمن ، ألمحمد على؟ أللماليك؟ أللأوروبيين؟ الخ هذا هو السر كله. (غربال)
