أنه رأى فى أثناء صعوده الوادى قردا بين الشجر ، وقيل لى إن القردة ليست نادرة هنا ، وإنها تكثر فى الدرب الغربى الواصل إلى سواكن وهو واقع على سلسلة الجبال نفسها. ورأينا غزلانا وأرانب جبلية ، أما الهجير الذى كاد يزهق أرواحنا ونحن نقطع السهل السفلى الذى تكتنفه الجبال العالية ، فقد استحال فى هذا الموضع زمهريرا فأضرمنا نيرانا ، ولم نذق للكرى طعما أكثر الليل خوفا من سطو اللصوص علينا. وقد قتلت عقربا وجدته بجوار نارى.
٢٠ يونيو ـ كانت أعلى قنن الجبل تقع على نحو ثلاثمائة قدم من المرتفع الذى خيمنا فيه. وفى موسم المطر تنهمر السيول من صخورها الوعرة القائمة إلى هذه الهضبة متخللة آلاف الشقوق التى فى الصخور ، ثم تنقسم إلى شعبتين ، فسيل يندفع إلى السهل الشمالى وآخر إلى الجنوبى. وقد سلكنا فى هبوطنا هذا الصباح قاع السهل الشمالى ، ولم يكن المنحدر وعرا كالمرتقى. وذكرنى جو هذا الجبل بجو وديان لبنان ، وبعث هواء الصبح المنعش فى جسدى كله من العافية والنشاط ما لم أحسه مذ غادرت بلاد الشام. وكنا طوال هبوطنا نصادف أشجارا فى الطريق. وبعد أربع ساعات وقفنا ببقعة يتسع فيها الوادى اتساعا كبيرا ، وهنا وجدنا بين الصخور القاحلة كلأ نضيرا ودوما كثيرا وبعض ماء فى بركة ضحلة. وكان منظر الوادى كله غاية فى الروعة والجمال ، أو قل إنه يبدو على أى حال رائعا جميلا للمسافر إذ تقع عينه بعد قطعه الصحراء على بقعة خضراء فيبتهج لمرآها كأنها جنة من جنات عدن. ومرت بنا قافلة صغيرة محملة ملحا ، وكانت قد غادرت سواكن قاصدة التاكة قبل ستة أيام. وتتصل بقاع السيل الكبير وديان جانبية كبيرة كلها حافل بالشجر. وبعد أن استأنفنا المسير واصلنا الهبوط فى بطء شديد زهاء ساعتين ، ثم خرجنا إلى سهل فسيح اندمج فيه الوادى. وأصبح طريقنا بعد ذلك فوق أرض مضرسة محصبة (وكان اتجاهنا الآن للشمال الشرقى بانحراف نصف درجة إلى الشمال) ثم حططنا لنبيت بعد أن قطعنا فى يومنا هذا تسع ساعات ونصف. وكانت سلسلة الجبال تمتد عن يميننا وعن يسارنا. أما فى اليمين فاتجاهها جنوبى شرقى. وأما فى اليسار فتتفرع فرعين ، يمتد أحدهما غربا وينتهى فى الصحراء ، ويمتد الثانى شمالا
