التى ينفق عليها من أموال المساجد (١) لاستضافة التكارنة المارين بها ثلاثة أيام ويصرف لكل تكرورى فى إسنا قرش واحد عند رحيله من الجامع. ويجتهد الحجاج المملقون فى أن يكسبوا من المال بالعمل اليدوى أو بكتابة التمائم ما يؤدون به نفقات الرحلة من القصير إلى جدة فى موسم الحج ، فإن لم تتيسر لهم أداها عنهم بعض الخيرين من حجاج الترك. وأكثرهم يسلك طريق القصير ، ولا يزور القاهرة منهم إلا قلة برغم وجود رواق بالأزهر الشريف تقدم فيه الفتة يوميا لعدد لا يتجاوز أربعين فى ظنى (وقل أن يجتمع منهم أكثر من هذا العدد إلا فى موسم الحج). والمارون منهم بالقاهرة يتخذون طريق قافلة الحجاج الكبرى إلى مكة ، وعند أمير الحج أوامر مشددة من السلطان بتقديم الطعام والشراب لكل زنجى لا يملك دابة.
وأعمر الطرق بالحجاج الزنوج الطريق من الدامر سيرا مع المقرن حتى التاكة ومنها إلى سواكن. ولست أغالى إذا قدرت عدد المسافرين منهم بهذا الطريق كل سنة بخمسمائة. وهم لا يسافرون فى أفواج كبيرة كما قلت ، ولكنك تلقى منهم الجماعات القليلة كل يوم تقريبا سائرة على ضفاف النهر. ويبتاع القادرون منهم الحمير من الدامر ويوسقونها دقيق ذرة لزادهم فى الطريق. ويسير هؤلاء فى جماعات من عشرين ، فإذا حاول قطاع الطرق الاعتداء عليهم فى الطريق قاوموهم أشد المقاومة مستعينين عليهم بعصيهم. أما فى القرى أو المضارب فهم مطمئنون إلى حماية الشيخ أو على الأقل واثقون من أن زادهم ودوابهم لن تسرق منهم. فإذا بلغوا التاكة ساروا مع القوافل إلى سواكن وفيها ينتظرون مركبا يقلهم إلى جدة. وتختلف أجرة المركب من ريال إلى ريالين. وحين كنت بسواكن رأيت فيها فوجا من خمسين حاجا على الأقل يقفلون راجعين إلى التاكة لأن أصحاب المراكب الراسية فى الميناء
__________________
(*) يشتهر الأزهر الشريف بمؤسساته الخيرية التى أوقفت لمساعدة المسافرين الفقراء من مختلف الشعوب. ففيه أروقة خاصة بأهل الصعيد ، والزنوج ، والمغاربة ، والحبش (أو الجبرت كما يسمونهم) واليمنيين والهنود ، والأفغان ، والسليمانيين ، والبخاريين ، والفرس ، والكرد ، والأناضول ، والشوام. ويقوم على كل رواق عالم من كبار علماء القاهرة. وشيوخ الأروقة هؤلاء هم الذين تتألف منهم هيئة علماء الأزهر ، وهى هيئة طالما جعلت الولاة يرتعدون فرقا.
