إلى مائدتهم فى غير كلفة ليصيبوا منها عشاء ، وتستطيع أن تقول بوجه عام إن التكرورى رجل لا يحمل هما ، فأينما وجد البلد الطيب والمكان اللين أقام أسابيع برمتها ، وخير عنده أن يتخذ طريقا طويلة فى أرض عامرة بالخيرين ولو اتصلت رحتله أسبوعين كاملين من أن يبلغ غاية رحلته فى يومين اثنين يقطع فيهما مفازة جرداء أو يجتاز بلدا لا يعرف أهله قرى الضيف. فإذا بلغوا شندى مضوا جميعا إلى الدامر ، وقل أن تجد هذا الطريق خلوا من أفواج الحجاج الزنوج ، ويتألف الفوج من ستة حجاج أو اثنى عشر ، ومن عادتهم إذا وصلوا قرية أن يتفرقوا بين أسرها ثم يجتمعوا عشية ليشاركوا فيما جاد به عليهم أهلها من طعام.
ومن الدامر يتفرع الطريقان الرئيسيان اللذان يتخذهما الحجاج ، ففريق يمضى إلى مصر هابطا مع النيل ، وفريق آخر يرتقى ضفاف المقرن وعطبرة حتى قوز رجب ومنها إلى التاكة وسواكن. والرحلة الأولى أطول ولكنها أقل مشقة ، وكلما قاربوا مصر لقوا من أهل الوادى صدقة أوفر. ويفخر عرب الشايقية بسخائهم على التكارنة ، ولكنه سخاء يعرف الحاج أنه يدفع فيه ثمنا فادحا ، لأنه يكلفه كل نفيس يحمله. ويأمن الحجاج على مالهم القليل بعض الأمن فى الطريق من دارفور إلى شندى لأن الحكومة تحميهم ، أما بعد ذلك فلا أمن ولا اطمئنان. وقد درج التكارنة على أن يستبدلوا ببضاعتهم ذهبا فى شندى ، فإخفاء الذهب أيسر عليهم من سواه. ولكن الناس عرفوا عنهم هذه العادة ، فتعرض الحجاج بسببها للأذى فى الطريق ، وقد أكد لى كثيرون أن بدو عطبرة والتاكة ، ومثلهم بدو الشايقية ، يجردونهم عرايا فى كثير من الأحيان بحثا عما يخبئون من ذهب ـ وأنهم يفتشون عن هذا الذهب فى كتبهم ، وحتى فى محابرهم ، ولا يتركون ذريعة إلا لجأوا إليها ليسلبوهم ما حملوا من ذهب أو فضة. وفيما عدا ذلك يكرم الشايقية مئواهم فيعوضونهم بذلك بعض التعويض عن جشعهم واغتيالهم ، أما بدو عطبرة والتاكة فيضيفون إلى شرههم للغنيمة شحا وبخلا على الطارق ، لذلك ياقى المسافرون المساكين منهم نصبا شديدا وعنتا كبيرا.
والحجاج المسافرون على شاطىء النيل يلمون أياما بقرى الصعيد حيث الأروقة
