الرحلة فى قافلة دارفور ؛ وتتطلب الرحلة من المال ما يكفى لشراء الزاد والإبل التى يستلزمها سفر الصحراء والرحلة من أسيوط إلى جدّه بطريق القصير. أما الحجاج الذين يسلكون طريق سنار فهم الوافدون من كردفان ، ولهم طرق ثلاث (أولها) يشق الحبشة مارا بغندار وأكسوم إلى مصوع و (ثانيها) على ضفاف النيل من سنار إلى شندى و (ثالثها) من سنار إلى التاكة (بطريق راس الفيل) ثم إلى الحلنقة ، متفادين بذلك رحلة الصحراء. ويشكو المسافرون بالطريق الأول ـ طريق الحبشة ـ من سوء معاملة الأحباش المسيحيين ومن أنهم لا يسمحون لهم بدخول بيت ولا حوش ، ومن أنهم يقدمون لهم الطعام على عتبة البيت كأنهم الكلاب ـ على حد قول الزنوج ، ولكنهم برغم ذلك يصيبون منهم دائما عشاء موفورا ، فإذا بلغوا مصوع ألموا بها أسابيع يعملون فيها ليكسبوا ما يكفى نفقات الرحلة بحرا إلى أقرب ساحل ـ وهو ساحل اليمن ـ وتبلغ ريالا ، أو إلى جدة ، وتبلغ ريالين. وملتقاهم فى العادة ثغر اليمن المسمى الحديدة ، ومنه يتخذون سمتهم إلى مكة برا مارين بقبائل البدو المضيافة التى تقطن جبال الحجاز. ويبلغ عدد الحجاج الزنوج الذين يسافرون بهذا الطريق سنويا إلى مكة ـ حسب تقديرى ـ مائة وخمسين أو مائتين. ويسكن كثير من التكارنة ثغور اليمن وجدة ومكة. والطريق الثالث آثر الطرق عند الحجاج القادرين على الاشتراك فى شراء جمل يحمل الماء والزاد ، وهم لا محالة واجدون بالتاكة إذا بلغوها تجارا سواكنية يسافرون فى صحبتهم.
وأعمر الطرق بهؤلاء الحجاج الطريق من دارفور أو كردفان إلى شندى مباشرة. والطريق ميسور إلا فى آخره فهم أينما ساروا فى أرجائه الآهلة لقوا الجود والكرم فى قوم يفخرون بالتصدق على الحجاج الفقراء. بيد أن عليهم أن يقطعوا من حدود كردفان إلى شندى رحلة خمسة أيام فى صحراء لا ماء فيها ، وكثيرا ما يحملهم خوف الرحلة على اتخاذ طريق سنار الطويل أو الانتظار بكردفان حتى يحل فصل المطر فيكثر الماء فى هذه المفازة الجرداء. فإذا بلغوا شندى مكثوا بها زمنا حتى يستردوا عافيتهم ، وهم فى أثناء ذلك يلمون كل ليلة بالتجار الطارئين عليها فيجلسون
