من بواعث ارتياحى أن أفسد عليها ألاعيبها فتذهب محاولاتها كلها أدراج الرياح.
وكنت فى مقامى بهذه القرية ـ كما كنت فى مقامى بشندى ـ أبدو للناس غاية فى التقوى والورع ، مقلدا جهد استطاعتى الفقهاء الذين يجهلهم أهل هذه البلاد لاشتهارهم بالعلم الغزير والخلق الكريم ، وتلك فى الحق شيمة هذه الطائفة بوجه عام ، وإن كان معروفا أن من أفرادها جماعة لا خلاق لهم ، وأنهم فى كل ما يعملون منافقون. ولعل إيمان القوم بالخرافات واحترامهم لدين يزيده رهبة وجلالا جهل الأكثرين بتعاليمه ، ولعل خوفهم من التعاويذ والرقى ، وما يبديه كل فقيه نحو أخيه الفقيه من احترام وإكبار ، أقول لعل هذا كله أعان على احتفاظ الناس باعتقادهم القديم ، وهو أن الفقيه إنسان يمتاز عن سائر الخلق بالفضيلة والتقى ، فإذا بدا منه نقيض ذلك لم يجرؤ منهم أحد على اتهامه بالمعصية وإلا انقلب عليه رجال الطائفة كلها وناصبوه العداء ، وتلك حال العلماء فى تركيا وشبه جزيرة العرب ؛ فأخلاقهم معلومة للناس حق العلم ، ولكنهم برغم ذلك ما برحوا متمتعين بالسمعة الطيبة لأن أحدا من الناس لا يريد أن يكون البادىء بمناوأتهم ، زد على ذلك أن الحكومة تبسط عليهم حمايتها لأنها تتوسل بهم لاسترقاق جماهير الناس وتوجيه الرأى العام.
وقبل أن نغادر التاكة بيومين روعنا نبأ أتانا من سواكن ومفاده أن رجلا من التاكة قتله أحد الحداربة بتلك المدينة. وقد تدارس الهدندوة الأمر وفكروا فى حجز جميع أفراد القافلة حتى يتبين لهم الأمر ، ولعلهم كانوا فاعلين لو لا أن بدويا آخر خف إلينا بنبأ ثان هو أن السواكنى دفع دية القتيل ففض النزاع على هذا الوجه وسويت المسألة.
