على السواء ، أو الفضل فيه لخلاف فى المناخ نفسه. ولكن ليذكر القارىء أن شندى أعلى كثيرا من الصعيد.
وأهل البلاد الواقعة على النيل من دنقلة إلى سنار ، وكذلك سائر القبائل العربية الصحيحة إلى برنو ، يتكلمون العربية دون سواها ، وجيرانهم مزدرون محتقرون فى نظرهم سيان منهم الشرقيون والغربيون ، فكلهم عندهم «عجم (١)» وهو لقب غير الناطقين بالضاد فى لغة القرآن الكريم. على أنك تسمع بينهم أيضا ما تسمع بين البدو الأعراب من رطانات متعددة واختلاف فى النطق والألفاظ. فالشرقيون النازلون عطبرة صوب التاكة والبحر الأحمر يتكلمون الرطانة البشارية ، أما النوبيون فأقرب الرطانات الدخيلة عليهم رطانة كردفان التى لا تختلف عن لهجة الفور إلا فى النطق. ويتكلم القوم العربية فى طلاقة وإجادة ، ويلوح لى أن عرب السودان أفصح لسانا من أخوتهم بمصر وأشد تمكنا من عربيتهم ، ونطقهم بها شبيه بنطق أهل الصعيد ، وهو مختلف أكبر اختلاف عن نطق أهل القاهرة والدلتا. ذلك أن أهل الصعيد إلى الجنوب من أسيوط ليسوا سوى قبائل البدو القديمة ، وعربيتهم فى نظرى خالصة نقية من الشوائب ، ولا يفضلها نقاء غير عربية شبه الجزيرة. صحيح أنهم ينطقونها بلغة مصرية ، ولكن ألفاظهم وعباراتهم جلها مأخوذ من لغة الحجاز واليمن ، وهو ما تحققته بنفسى فى أثناء مقامى بعد ذلك بجدة ومكة. ويستعمل عرب الجنوب كثيرا من العبارات الدخيلة على العربية ، ولعلها نتيجة اتصالهم الوثيق بالزنوج ، ويستعملون الكثير من الألفاظ الفنية ، ولعلها مشتقة من الحبشية ومن لغات البشارية والزنوج.
ويعتز عرب الجعليين أكثر ما يعتزون بلسانهم العربى المبين ، وقد سمعت عربا من قبيلة بنى حسان التى تنتجع بحر الغزال يتكلمون بلهجة هى لهجة الجعليين
__________________
(*) يطلق العرب لفظ العجم من ناحية على الفرس ومن ناحية أخرى على أهل الشاطىء الإفريقى المقابل لشبه جزيرة العرب حيث يتكلم السكان أشتاتا من اللغات. ولا يزال اليمنيون والحجازيون يسمون هذه البلاد العجم ، وهو اسم يطوى تحته جميع الساحل من سواكن إلى بلاد البربر بما فى ذلك بلاد الحبش ، ويسميه الجغرافيون الأوربيون Regnum Adjamioe.
