الأمطار ليست من الوفرة بمكان ، وأن هطولها لا يدوم أسابيع متصلة كما هى الحال فى كردفان على ما سمعت ، إنما هى تسقط متقطعة وإن كان سقوطها فى سيول متدفقة. أما الصحراء الشمالية الواقعة بين بربر ومصر ، لا سيما الإقليم الجبلى الواقع إلى الشمال من عين شقرة ، فليس فيها على ما يبدو موسم ثابت للمطر. وقد أجمع كل من سألت من مصريين وعبابدة على أن هذه الجبال يصيها الغيث صيف شتاء ، ولكنه غير غزير. وركاب القوافل فى خوف دائم من ان تمطرهم السماء فى أى وقت أيا كان الفصل الذى يسافرون فيه فتتلف أمتعتهم وبضائعهم ، وقد بلغنى مثل هذا عن طبيعة هذه الأمطار وأنا مصعد مع النيل فى رحلتى إلى دنقلة. كذلك يسقط المطر فى جميع فصول السنة على سلسلة الجبال الممتدة من أسوان إلى القصير بين النيل والبحر الأحمر ، ولكن سقوطه يكاد يقتصر على الشتاء إلى الشمال من طريق القصير حتى السويس ، فى جبال عرب المعازة. ومعلوم أن المطر نادر فى وادى النيل ، بيد أنه يسقط لماما على الدلتا فى أشهر معدودة. أما الصعيد فيكاد يقفر منه فى أجزائه الدانية من النيل ، لذلك ترى فيه ظاهرة فذة ؛ فالوادى الخصيب عديم المطر على مدار السنة فى حين تحظى الجبال الجرداء على ساعات منه بمطر منتظم. وفى شهر سبتمبر حين كنت بإسنا أمطرتنا السماء مدرارا وطفقت تسح ساعتين متصلتين بمطر لا يذكر له الإسناويون نظيرا.
ويعرف أهل شندى أوان ريح الخماسين الحارة كما يعرفه أهل مصر. وسميت الريح هكذا لأنهم حسبوا مدتها خمسين يوما تمتد من ٢٩ أو ٣٠ إبريل إلى ١٨ أو ١٩ يونيو ، وهو أوان «النقطة» أو أول ارتفاع النيل فى مصر. وحين كنت بإسنا فى أول مايو بدأ هبوب الخماسين ، فأرسلت علينا شواظا من ريحها اللافحة الخانقة. وقد قضيت بشندى مطالع الخماسين فشهدت بها هبوب الريح الحارة أياما ، وخيل إلى أنها لم تبلغ فى حرها وإرهاقها مبلغ خماسين الصعيد ، مع أننى فى شندى كنت ليل نهار أمكث فى العراء لا أدخل غرفة رطبة ولا أجد ما يقينى وقدة الشمس غير تعريشة أستظل بها. ولست أدرى هل الفضل فى هذا لاعتدالى فى الطعام وزهدى فى الشراب ، ومن شأن هذا كما أقنعتنى التجارب أن يكسر من حدة الحر والقر
