القوم وريبتهم مرة لكان فى ذلك حتفى آخر الأمر. ولم يكن فى استطاعتى أن أجمع البيانات الدقيقة المفصلة عن المواقع الجغرافية وعن الأبعاد والمسافات إلا بتوجيه الأسئلة الصريحة إلى التجار ، ولكن أحدا منهم لم يشعرنى باستعداده للتفضل على بالجواب لوجه الله. أما شراء (١) هذه المعلومات فأمر كان من شأنه أن يجعلنى حديث أهل المدينة كلها وهدفا للمزيد من فضولهم وتساؤلهم وقد كنت بينهم ظاهرا ملحوظا على غير ما أبغى. صحيح أننى حاولت مرارا أن أغرى بعض أهل سنار بالخوض معى فى الحديث الودى ، فكنت أجلس إليهم وأملأ لهم قصباتهم من تبغى ، ولكنهم سرعان ما كانوا يسأمون أسئلتى عن أقطار الجنوب ويؤولونها أعجب تأويل. والحاصل أننى ما كنت لأستطيع جمع هذه المعلومات إلا من شوارد الحديث وأشتاته خلال مقام طويل بالإقليم. ولو أن القوم عرفونى أوربيا كما عرفوا بروس فى الحبشة وبراون فى دارفور لأفدت من فراغى أعظم إفادة دون أن أعرض نفسى لمزيد من الخطر. ولكن حالى كانت غير حالهما ، فقد أفلحت فى كتمان أمرى ، وكان على أن أقطع رحلة محفوفة بالخطر ، ولم يكن لى أمل فى بلوغ البحر إن أنا أثرت ريبة القوم فى خطط أسفارى. تلك كانت عقيدتى الراسخة على أى حال. وأنا إذ أقرر أننى كتمت أمرى لست أزعم لنفسى قدرة خارقة على الكتمان ، إنما أدل القارىء على أمر كان يتوقف عليه نجاحى (٢) ، وأضيف رجاء أوجهه إلى من سيتاح لهم السفر إلى هذه الأقطار ، فإذا سمعوا القوم يصفوننى بأننى من الإفرنج ، فلا يكن هذا داعيا يدعوهم لتكذيب سائر ما قصصت عن هذه الرحلة. فما من شك فى أن الدراويين سيكشفون آخر الأمر هوية هذا الصعلوك الذى رافقهم فى رحلتهم ، ولكن هذا لا ينفى أن أمرى كان مخفيا عنهم طوال الرحلة.
__________________
(١) زرت قسما من حوران ـ جنوب دمشق ـ مع قسيس يونانى ، فكان يتقاضانى بارتين عن كل جواب يدلى به إلى عن أى موضوع غريب ، وبارة عن اسم كل قرية أو قبيلة عربية أدونها نقلا عنه ، وخمس بارات عن كل مخطوط إغريقى أنسخه منه.
(٢) فى رأيى أن الطريق إلى سنار ميسور للتاجر المسيحى أو الإفرنجى أو لأي شخص خبير أيا كان وطنه ، أما الدروب الخارجة من النيل إلى البحر الأحمر قيجب ألا يسلكها من لا يستطيع الظهور بمظهر التجار الوطنيين.
