ولقد جمع مستر براون خلال العامين اللذين أقامهما بدارفور معلومات ثمينة عن بلاد الزنج المحيطة بهذه المملكة ، ولكن الشك لا يخامرنى فى أن أهل دارفور لم يسيئوا به الظن إلا بسبب إمعانه فى السؤال والتقصّى. ولو أتيح له أن يغادر دارفور ويجوب غيرها من أنحاء السودان لوقع له مثل هذا ولانتهى الأمر بحبوط مساعيه وإخفاق خططه. ولست أقول هذا غضا من شأن مستر براون ، فإن كفايته وجلده قل أن يجتمعا لرجل ، وإننى لأذكر له صداقته أبد الدهر ، وأعزو كثيرا من الفضل فى توفيقى إلى نصائحه الغالية. إنما سقت هذه الملاحظات لمن يخلفوننى فى هذا العمل. فحين خرج مستر براون فى رحلته إلى دارفور لم يكن له هذا العلم الذى حصله فيما بعد بالعربية وطباع العرب. فلما لم يستطع الظهور بين القوم فى زى المشارقة لم يحاول إنكار أورپيته ، لأنه رأى ـ وكان فى رأيه على حق ـ أن من الخير له أن يحتفظ بجنسيته ، مهما قل احترام القوم لها فى هذه الأصقاع ، عن أن ينتحل ملابس الوطنيين وعاداتهم هذا الانتحال الأعرج فيعرض نفسه لأوخم العواقب ولخطر الكشف عن سره بين ساعة وساعة. ولكنه كان يستطيع ـ حتى فى صفة الأوربى ـ أن يكون أكثر إطمئنانا على نفسه لو أنه اتخذ التجارة مهنة بدل الطب ، فالطب مهنة لا عهد لأهل هذه البلاد بها. وفى أثناء مقامى بأسيوط عرفت رجلا رأى مستر براون بدارفور ـ وكان هذا قد أقام ببيت أخيه ردحا من الزمن ـ وروى لى أن مستر براون كان طوال رحلته من أسيوط إلى دارفور مشتغلا بتدوين الأحداث اليومية وبالاستفسار عن أسماء ما يلقى فى الطريق من نجاد ووهاد ، وأنه كان لديه قطعة من الرصاص يكتب بها فلا تنضب. ثم قال إن «سلطان الإنجليز» لابد أوفده لتجسس الإقليم ، فلما أدرك ملك دارفور أنه لم يأت إلا مستطلعا كفه عن التجول فى أنحاء البلاد. وقد أكدلى الرجل البيانات التى ذكرها مستر براون عن نفسه وهو بدارفور ، وهى حقائق لا يمكن أن يتطرق الشك فى صحتها إلى من عرف أمانته وصدقه. ولقد شعر هذا الصديق الراحل ـ الذى بذل نفسه فى سبيل الحقيقة والعلم فكان أطهر قربان وأكرم ضحية ـ أقول إنه شعر بأن تدوينه المذكرات جهرة كان العقبة
