فهو لا يلتزم إلا بإطعامهم وكسائهم. وعلى هذا النحو دخل الجيش التركى فى مصر عدد غفير من الجند السود. بل إن محمد على فكر ـ فيما يقال ـ فى تنظيم فرقة من السود وتدريبها على أساليب الحرب الأوربية ، ولكن يلوح أن نفور كبار ضباطه من هذه البدعة حمله على العدول عنها. ويشترى الضباط الأتراك فى مصر من ستمائة عبد إلى ثمانمائة فى كل عام.
وفى الأقطار الجنوبية درج العبيد ـ الذين اقتناهم الأهالى فى بيوتهم لا الجلابة ـ على أن يعتبروا أنفسهم أعلى مقاما من كل فرد فى الأسرة ، فيما خلا ربها. فيباح للعبد حضور مجالس الأسرة ، ويسمح له بالتجارة أو بالاشتغال بغيرها من الأعمال لحسابه الخاص ، وتطلق له الحرية فى أن يفعل ما شاء إذا أثبت أنه شجاع مقدام يحسن الذود بسيفه عن سيده فى ساعة الخطر. ولا حرج عليه بعد ذلك فى أن يسىء أدبه أو سيرته ، وهو لا يخشى عقابا ولا تأديبا. فإذا قتل رجلا من الأحرار أدّى سيده عنه دية القتيل وإلا تعرضت أسرته لانتقام أهله ، لأنهم لا يرون فى قتل العبد ما يكفى للتكفير عن دم الحر.
وفى مصر وبلاد العرب يخول القانون للعبد امتيازا عظيما. فله إن تبرم بسيده وصخ عزمه على عدم العيش فى كنفه أن يطلب إليه عرضه للبيع فى سوق العبيد ، فيقول له : «بيعنى فى سوق السلطان». وقد يأبى مولاه بادىء ذى بدء أن يفرط فيه ، ولكن العبد ـ إذا ما تغلب على الخوف من إثارة سخط سيده ـ لن يعدم الفرصة لمطالبته بحقه هذا أمام شهود من وجوه القوم ، ثم يمضى فى هذا ويلح حتى يظفر آخر الأمر بما يبغى. وقد يكون بعض العبيد أقل من غيرهم قدرة على الانتفاع بهذا الحق العام لأنهم محبوسون فى الحريم لا يسمع شكاتهم غير سادتهم.
وإذا توخينا غاية الاعتدال قدرنا عدد العبيد فى مصر بأربعين ألفا ، ثلثاهم ذكور وثلثهم اناث. ولا تكاد تخلو قرية من عبيد ، ويقتنى كل ذى مال أو عقار عبدا على الأقل. وقد نيّف عدد العبيد الذى فتك بهم الطاعون فى ربيع عام ١٨١٥ ، وبلغت عن موتهم مكاتب الحكومة ، على ثمانية آلاف فى القاهرة
