قد يبلغون ـ إذا تهيأ لهم التعليم الصحيح ـ مرتبة تدانى مرتبة البيض إن لم تساوها.
وأجسام العبيد على مغالبتها للتعب ليست أشد من أجسام الأوربيين ولا أصلب ، بل إن الشواهد تحملنى على الاعتقاد بأنهم فى جملتهم أكثر تعرضا للمرض من الأوربيين ، ولست أشك فى أنهم أقل احتمالا له وصبرا عليه حين يقعون فريسة له. ومن العبارات المألوفة عن الجلابة قولهم إن الضربة (أى المرض) التى لا تهز عربيا قد تصرع عبدا. وأكثر العلل تفشيا بينهم الحمى المصحوبة بالالتهاب ، ويستهدف لها كذلك أهل شندى. وهم يعالجونها بالحجامة على الساقين وبشرب نقيع النمر الهندى ، ولكنها تفتك بكثير من العبيد لا سيما الذين أعياهم طول السفر ووعثاؤه. ولعل السبب الأول فى هذا تعرضهم لتيارات الهواء وهم يتصببون عرقا ونومهم الليل كله عراة. وسمعت منهم كثيرين يشكون مرض الصفراء ، ولعل سببه الإفراط فى تعاطى البوظة الشديدة التخمر. وتتفشى البواسير على نطاق واسع بين الأهالى ، وهى أقل تفشيا بين العبيد ، ولا دواء لها عندهم غير الكىّ بالحديد المحمى. وأول ما رأيت الفرنتيت (أو دودة غانة الأصيلة) فى شندى ، ولكنها معروفة أيضا للعبيد وتجار السودان الذين يفدون على الصعيد. ويلوح لى أنها منتشرة فى السودان ، وقد رأيتها فى شبه جزيرة العرب كذلك. وهى حين تعلق بالجسم لا تتخير الساق دون غيرها ، فقد رأيتها تخرج من الذراع ومن الصدر ومن الركبتين ، ولكن أحب أعضاء الجسم إليها سمانة الرجل. والإصابة بها فى شندى أقل منها فى كردفان ودارفور ، ويصاب بها عدد كبير من العبيد والجلابة الوافدين من هذين القطرين. وهى وإن سببت للمصاب بها آلاما مبرحة لا تمنعه من المسير حتى يشرف على الموت. وقد أرونى نفرا أصيبوا بها مرات ، ولكن الحظ حالفهم فيها كلها ففطنوا إلى الدودة وهى تحاول اختراق جلودهم واستطاعوا بشىء من الأناة والصبر أن يستلوها. ولا تفتك الدودة بإنسان إلا إذا عجز عن سلها من جلده أو مزقها وهو يحاول سلها ، ولكن
