واعلم أن في رسم العشق ووسمه أقوالا للأطباء : فمنها ما قاله : أبو علي ابن سينا : «مرض وسواسي شبيه بالمالخوليا (١) يجلبه (٢) المرء إلى نفسه بتسليط فكرة على استحسان بعض الصور والشمائل. وقد تكون معه شهوة الجماع. وقد لا تكون».
وكتابنا هذا ليس موضوعا لهذا الباب فاطلبه من كتبه.
[أخبار ديك الجن] :
واستفتح هذا الفصل بقصة ديك الجن الحمصي (٣). وله ترجمة في التواريخ لم يسمع بمثلها. وهو أنه كان يهوى جارية وغلاما فمن شدة حبه لهما وغيرته عليهما خشي أن يموت وأن يتمتع بهما غيره فعمد إليهما فذبحهما بسيفه. وأحرق جسديهما وصنع من رمادهما «برنيتين (٤)» للخمر.
وكان يضعهما في مجلس أنسه عن يمينه وشماله. وكان إذا اشتاق إلى الجارية قبّل «البرنية» المجبولة من رمادها. وملأ منها قدحه. وأنشد يقول أبياته فيها. ومنها :
|
يا طلعة طلع الحمام عليها |
|
وجنى لها ثمر الرّدى بيديها |
|
روّيت من دمها الثّرى (٥) ولطالما (٦) |
|
روّى الهوى شفتيّ من شفتيها |
|
وأجلت (٧) سيفي من مجال خناقها |
|
ومدامعي تجري على خدّيها |
__________________
(١) المالخوليا : مرض نفسي.
(٢) كذا قرأناها.
(٣) ديك الجن : عبد السلام بن رغبان ... بن تميم الكلبي. أبو محمد ، الشاعر المشهور. قيل : كان مولى لطيء ، أصله من أهل سلمية. ونشأ بحمص. ولم يغادر متكسبا في شعره. عاش إبان الدولة العباسية. عرف بتشيعه. كان ماجنا. خليعا. زاره أبو تمام في صباه. وأبو نواس أيضا. وله ديوان شعر مطبوع. توفي نحو عام ٢٣٦ ه. في خلافة المتوكل (وفيات الأعيان : ٣ / ١٨٤).
(٤) البرنية : إناء من الخزف (معجم الألفاظ التاريخية : ٣٣).
(٥) في الأصل : التراب.
(٦) في الأصل : طالما. والصواب : كما ذكرنا.
(٧) في رواية أخرى : «مكنت». انظر : وفيات الأعيان : ٣ / ١٨٦).
![كنوز الذّهب في تاريخ حلب [ ج ١ ] كنوز الذّهب في تاريخ حلب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2373_kunuz-alzahab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
