بصوت إليه يقول : ما لك ههنا يا إيليا". (١) ألا نتخيل ونحن نقرأ هذا الكلام الرائع أننا نشهد ثورات جيولوجية هزت بعنف هذه الأرضين المختارة منذ الأزل؟
ذلك الزلزال الرهيب الذي يحرك الجبال ، وتلك العاصفة الهوجاء التي تجعل الجبال تميد وتتداعى ، تلك النار المتأججة التي تحرقها وتجعلها عقيمة / ٧٣ / أي شيء هذا إن لم يكن تعبيرا عن عوامل في باطن الأرض أو خارجها ، لذلك الاضطراب العظيم للمادة كما يتصوره العلم ويشرحه في أيامنا هذه؟
إذا ، ليست رؤيا إيليا إلّا حدسا ، بل كأنما هي رؤية ثانية للاضطراب الفيزيائي الذي تحمل كل صخرة هنا آثاره التي لا يمكن إنكارها. وإن تلك النسمة الرقيقة والناعمة التي تلت اضطراب العناصر ، والتي شعر معها النبي بتجلي الذات الإلهية ؛ إنها حقا الذات الإلهية ؛ أي العلم المطلق الذي ما إن استقر الكون بأمره حتى بسط عليه هيمنته ، وخلق ظواهره ، وقدّر قواه ، وسبر غور أسراره ، وتعالى عن الحياة المادية ، فقدر العلل والأسباب ، وحاز مع الحكمة القدرة على الخلق الذي اختص وحده بفهم أسراره. إن البحث في مثل هذه الأمور يكتسب هنا أهمية لا يكتسبها في أي مكان آخر ؛ لأننا لا نجد في الكون مكانا مثله احتفظ بمعالمه نفسها ، ناهيك عن روعة التاريخ والتقاليد ، مما يوقظ المشاعر ويأسر الروح.
__________________
(١) سفر الملوك الأوّل ، الإصحاح ١٩ ، عدد ٨ وما بعدها (المؤلف). وجاء في كتاب : تاريخ سيناء ... ، موثق سابقا ، ص ٢٩" ... والجبل الذي جاءه إيليا النبي بعد سفر شاق من" بئر سبع" دام أربعين نهارا وأربعين ليلة فبات في مغارة وكلمه الرب بعد زلزلة عظيمة" بصوت منخفض خفيف".
