أن جبلا ضخما من الجرانيت يتداعى بسبب هزة أرضية مخيفة ، أو بسبب اصطدام بجرم سماوي ، ويغطي بأنقاضه المهاوي السحيقة حوله ، ويحمل على جانبيه المهدّمين الآثار التي لا تمحى لذلك الاهتزاز المخيف. ونظن أنه منذ الكارثة لم يتغير شيء ؛ ولو أنها حدثت في اليوم السابق لما كان المنظر أكثر جمالا. أما الصخور فإنها متكسرة ، ومحطمة ، ومن كل الألوان والأشكال ، وهي عارية كما كانت في أول يوم بعد خلقها ، ومرت القرون دون أن تترك عليها مثقال ذرة من التراب الصالح للزراعة ، ولم يستطع أبدا أي شيء حي ، أن يمدّ جذوره في إمبراطورية الموت والكآبة والعقم هذه ؛ غير أن بعض قطع النبات تطلّ برأسها بصعوبة هنا وهناك بين تشققات الصخور. ونلمح / ٦١ / في الأفق البعيد على مدى النظر شجرتين وحيدتين هما : نخلة تمر هزيلة ، وشجرة تين أكثر هزالا. وكان هناك بعض الكهوف المحفورة في قلب الجرانيت ، أما الكتل السفلية التي تصدعت ، وتكسرت في أثناء سقوطها ، فإنها مملوءة بخروق عريضة ، لا زالت نتوءاتها حادة كما لو أنها في أيام سقوطها الأولى. وقد حفر بعض منها كوى مربعة الزوايا ، تظهر وكأن يدا بشرية حفرتها لهدف غير معلوم ؛ وربما كانت يد العبرانيين الذين كان عليهم بالضرورة أن يعبروا هذا الممر المخيف يقودهم موسى عليهالسلام.
إن الصوت البسيط يتحول في هذا المكان المخيف إلى صدى ، وعلى الرغم من أن ذلك لا يحدث إلّا نادرا ، ولكنه حينئذ يصبح شيئا فظيعا ، يتكرر آلاف المرات ، حتى لتحسب الطلق الناري صوت مدفع ، حينئذ يرتجف الجبل من أساسه ، ثم يعود
