لقد كان أول من رأيناه منذ وادي حبران. لقد كان هناك غير بعيد عنا مقبرة ، ولما كان البدو دائمي الترحل فإنهم لم يكن لهم أماكن محددة لدفن موتاهم ، بل كانوا يدفنونهم في الفلاة منفردين ، وإن العلامة الوحيدة لتلك القبور المندثرة ، هي مجرد حجر طبيعي ينفرد بحمايتها من شهية الضباع المقززة.
إن هندي السهول يحمل معه عظام أجداده ؛ أما عربي الصحراء ، فإنه يوكلهم إلى عناية الله ورسوله. وصلنا أخيرا إلى مضيق وادي الدير وسمي بذلك لأنه يقع بجوار دير سيناء. ودير سيناء آخر المعاقل الطبيعية المرتفعة بين البحر الأحمر وجبل سيناء ، والتي قدّر لها أن تعيش أحداثا عظيمة ، وإن هذا المعقل أكثر ارتفاعا ، وأكثر عرضا ، وأكثر إثارة للرعب أيضا من نقب / ٦٠ / حبران ، الذي ليس إلا صورة مبسطة عنه. ولم أر أي مكان في أوروبا أكثر فظاعة منه ، حتى في أكثر الأماكن توحشا ، وأكثرها وعورة في جبال الألب وجبال كارباث (١) Carpathes : إن المكان صورة عن السديم ، ليس السديم الذي سبق انفصال العناصر ، ولكنه السديم الذي يتلو فناء الكون. إن مثل هذه المشاهد تستعصي على كل وصف ؛ وإن فرشاة سلفاتور روزا (٢) Salvator Rosa هي وحدها القادرة على رسم منظر الرعب هذا. لنتصور
__________________
(١) منطقة بين جزيرة كريت وجزيرة رودوس على البحر المتوسط مشهورة بعواصفها ومناطقها الوعرة.
(٢) (Salvator) Rosa رسام ونحات وشاعر وموسيقي ، ولد في رونيلا Ronella بالقرب من نابولي Naples عام (١٦١٥ م) ، ومات في روما عام (١٦٧٣ م). تمتاز لوحاته بالأبهة المتوحشة ، وبالمشاهد العنيفة والقاسية مثل : المعارك واللصوص.
