وعندئذ قال جميع المماليك للسلطان سليم : يا مولانا السلطان لقد امتزجت جرايتنا وأعلافنا بغلال مكة والمدينة ، وأصبحنا جزءا من الوقف ، فعدمت البركة أموالنا وأرزاقنا وطعامنا ، فنرجو يا مولانا السلطان أن تمنع ذلك. فاستجاب السلطان لرجائهم وأنشأ المخازن سالفة الذكر فى بولاق ، وكان هذا منه خيرا عظيما ، وهذه المخازن كذلك مكشوفة بلا سقف.
وفى مصر القديمة هذه عدة مئات من مخازن الغلال ، وهى شونات خاصة بأعيان وأشراف مصر ، وكلها مسقوفة ، بيد أنها عديمة البركة. وإذا ما وقع القحط فى مصر لحق الضرر ـ ولا شك بأصحاب هذه المخازن ، وهذا الضرر يصيب أموالهم وأرواحهم وعيالهم.
ولكن الله وهب (أنبار يوسف) بركة الخليل ، ففى مصر سبعون طائفة عسكرية ، وهى : الانكشارية ، والعزب ، والمتفرقة ، والجاويشية ، والمطوعة ، والسپاهية ، والتوفنكجيان ، والجبه جيان ، والمدفعية ، وطائفة المتقاعدين ، والجواليه ، والأيتام ، والطواشية ، والنساء ، وطائفة الأئمة والخطباء ، والمشايخ ، والسادات ، والحاصل أن هذه الطوائف السبعين سالفة الذكر تضم سبعة وأربعين ألف وثلاثمائة وسبعين من عبيد السلطان يصرف لهم الجراية والعلف كل عام وكل شهر صباح مساء من أنبار يوسف.
وعلاوة على هؤلاء ففى القاهرة مليون وستمائة ألف نسمة طبق ما سجل ببرام باشا ، وهؤلاء كذلك تمس حاجتهم إلى مخازن يوسف ، لأن حبة القمح هذه مبذولة للغنى والفقير والشاب والهرم والناس جميعا على اختلاف أجناسهم ، وكل من له عقل أرسطو يعجز تمام العجز عن فهم تلك الأسرار وحاروا فيها إلى أن ماتوا. إن نعمة الله مبذولة للخلق ، فمخازن يوسف هذه معجزته وهى ممتلئة من خزائن الغيب ، يقول عز من قائل : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) هود : ٦. إن هذا هو كلام رب لعزة القديم ، ورزق العالمين عليه عز شأنه ، وهذا شاهد على أن الله يرزق جميع مخلوقاته.
|
يا من كرمك وهو من خزائن الغيب |
|
طعم منه المجوسى والمسيحى |
|
كيف تحرم الأحباء |
|
وأنت من ترعى جانب الأعداء |
![الرحلة إلى مصر والسودان والحبشه [ ج ١ ] الرحلة إلى مصر والسودان والحبشه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2308_alrehla-ela-mesr-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
