الفصل الثامن والثلاثون
بيان جميع الخلجان التى يسقى منها كل ذى روح فى القاهرة
وجميع الناس فيها
فى شهر يوليو من كل عام تغيض المياه فى كل أنحاء الدنيا ، أما فى مصر فى اليوم () (١) من نفس هذا الشهر وهو رأس السنة القبطية الذى يسمونه (توت) يفيض ماء النيل ويموج وكأنه البحر الخضم ، وبعد سبعين يوما من (توت) يرتفع منسوب النيل فى (أم القياس) بمقدار عشرين ذراعا وعندئذ يحتشد جميع أعيان القاهرة وأشرافها وعلماؤها وصلحاؤها ووزراؤها وأمراء جيشها على رأس الجسر المسمى (أبو المنجا) والواقع أسفل ساقية السلطان الغورى ، ويرفعون أصواتهم بالدعاء والثناء ، ويرفعون التراب الذى سد به الخليج الذى أنشأه المقوقس أثناء حكم ملوك القبط ، وبذلك يفيض ماء النيل فيضانا وكأنه البحر ، وينطلق ماؤه فكأنه سهم أطلق من قوس شديد.
ويمضون بقارب (الصوباشى) إلى داخل المدينة. وعلى ضفاف هذا الخليج الجارى بسيرة ثلاث ساعات من داخل المدينة وحتى جوسق الغورية قاعات وحجرات متعددة وقصور ذات أحواض وشادروانات ، وعلى ساحل هذا الخليج كذلك مقاصير ذات حدائق غناء والناس فيها يمرحون ويبتهجون ، ويطربون فى منازلهم ليل نهار ، وتصبح مجالسهم أشبه بمجالس السلطان (حسين بيقرا) (٢).
ويجرى ماء هذا الخليج ثلاثة أشهر بتمامها ، تتوفر خلالها المياه لدى أهل القاهرة ولا يعانون أى نقص للمياه. ويمرحون على ضفاف هذا الخليج خمسة أشهر كاملة ، وتصبح أيامهم أعيادا كعيد الأضحى ، ويجالس كل أحباءه ويسامرهم فى مجالس كثيرة الزينات وهم يصيدون السمك بشباكهم ، وتأتى جميع الحسان إلى هذا الخليج وينزلن فى مائه
__________________
(١) بياض بالأصل.
(٢) أحد علماء السلاطين ، غلب على مدينة هراة سنة ٨٧٢ الهجرية ، وجعلها حاضرة ملكه ووزر له مير على شير نوائى ، فالتقيا على حب العلم وإكرام العلماء فكان قصره فى هراة مثابة لأهل العلم والفضل بسط رعايته عليهم وغمرهم بنواله ، وتوفى رحمهالله عام ٩١١ ه. انظر : المعجم الفارسى العربى الجامع للدكتور حسين مجيب المصرى ص ١٢٤.
![الرحلة إلى مصر والسودان والحبشه [ ج ١ ] الرحلة إلى مصر والسودان والحبشه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2308_alrehla-ela-mesr-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
