|
قفر غدت ريح السّموم مثيرة |
|
من أرضه نقعا إلى أفق السّما |
|
فكأنّما صعد التّراب ليشتكي |
|
ما يلتقيه إلى السّماء من الظّما |
فمكثنا به يوما لم نستطب فيه يقظة ولا نوما ، ثم ارتحلنا منه إلى (اللّيث) (١) فألفيناه قد كشّر عن نابه ، وتحمّلنا منه تالين (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)(٢). ثم أتينا على (ذكوان) منزل طاب لنا فيه الوقت والأوان ، يشتمل على نخلات باسقة ، وشجرات فاغية (٣) متناسقة ، وهو قريب من البحر ، بينه بينه وبين السّيف مسير ساعة مع عذوبة مائه وطيب هوائه.
|
يزهى ببرّ وبحر من جوانبه |
|
فالبرّ من طرف والبحر من طرف |
|
وما يزال نسيم من يمانية |
|
يأتيك منه بريّا روضة أنف |
وفيه كان أول مشاهدتنا للبحر الزاخر ، والفلك الماخر ، فهالنا من أمر البحر ما رأيناه ، ووددنا إن لم نكن نراه ولا راءيناه (٤). ولما اكتسى الجوّ ثوب الأصيل أخذ الركب في التقويض والرحيل ، فما سرنا قليلا حتى ضللنا الطريق ، فتفرق لذلك جمع الفريق ، فصار الطريق طريقين ، والفريق فريقين ، وكانت ليلة نجمها مغموم ، وغيمها مركوم ، فلم نزل نقطع تلك الفلاة اليهماء ، ونخبط تلك الليلة الدهماء ، حتى نشر الصبح راياته ، وأرانا الله سبحانه آياته ، فهدانا إلى (الوادين) (٥) وهو أكرم الهادين ، وهو المنزل الذي قصدناه ، والموضع الذي أردناه ، فالتأم به جمع القوم ، وأقمنا به ذلك اليوم ، وعلى ذلك قلت (من قصيدة مدحت بها الوالد) (٦) :
__________________
(١) (اللّيث) ضبطه البكري وياقوت بكسر اللام : واد بأسفل السراة ، أو موضع بالحجاز ، ويظهر أن المؤلف اعتبر الكلمة مفتوحة اللام فورّى بها عن الأسد.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٣) الفاغية : نور الحناء ، ونور كل ما له رائحة طيبة.
(٤) راءيناه : قابلناه.
(٥) (الوادين) كذا ورد ، وتقتضيه السجعة ، وفي معجم ياقوت ، الواديين (بياءين) : بلدة في جبال السراة بقرب مدائن لوط ، وباليمن من أعمال زبيد : كورة عظيمة.
(٦) الذي بين القوسين غير موجود في (ع).
