أن (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ)(١) لكنّا لا أثر ولا عين ، بل دخلنا تحت خبر كان ، واندرجنا في جواب أين ، فلم نزل ننزف الماء ويكثر ، وهو يقوى ونحن نفتر ، حتى منّ الله تعالى بريح كان بها النجاء ، وتحقّق الرجاء ، فطوينا تلك الشقّة الممتدّة ، وأغاثنا الله تعالى بالفرج بعد الشدّة ، ولله درّ القائل وهو ابراهيم ابن العباس (*) :
|
ولربّ نازلة يضيق بها الفتى |
|
ذرعا وعند الله منها المخرج |
|
كملت فلما استحكمت حلقاتها |
|
فرجت وكان يظنّها لا تفرج (٢) |
قال ابن خلكان : ما ردّدهما من نزلت به نازلة إلّا وفرج عنه.
ولما كان بعد الزوال من يوم الجمعة المبارك دخلنا الباب ، فسرنا في ماء عذب بين جبلين عليهما من الأنهار والأشجار والأزهار ما لا يمكن وصفه فلم نزل نسير بينهما إلى آخر النهار. ولما جنحت الشمس للغروب وصلنا المرسى فحمدنا الله على ما أذكر وأنسى ، وأعلن لسان الحال بقول من قال :
|
يا ذا المعارج كم سألتك نعمة |
|
فمنحتها لي بالذّنوب الأوفر (٣) |
|
أيّ العوارف منك أشكر فضله |
|
عجز المقلّ وزاد طول المكثر |
|
أكفايتي ما قد حذرت وقوعه |
|
أم ما كفيت من الذي لم أحذر (٤) |
ثم نزلنا البندر وهو بندر (جيتابور) ـ بجيم مكسورة وياء مثناة من تحت ، فتاء مثناة من فوق ، وبعد الألف باء موحّدة مضمومة ، فواو ساكنة ، فراء مهملة ـ وكان وصولنا ابّان الربيع بالديار الهندية ، فألفيناه قد نشر مطارفه وأبرز تالده وطارفه. لا تقع العين إلّا على رياض خضرة ، وغياض يانعة نضرة ، والأرض تشكو والسماء تشكي ، والروض يضحك والغمام يبكي
__________________
(١) سورة الرعد / ٣٨.
(٢) في معجم الأدباء ١ / ١٨٧ (وكنت أظنّها) ، وما أثبته المؤلف موافق لرواية وفيات الأعيان ١ / ٢٩.
(٣) الذنوب (بالفتح) : الحظ والنصيب ، والدلو التي لها ذنب. تؤنث وتذكر.
(٤) في ك (آمنتني) مكان (أكفايتي) و (أم ما أمنت) مكان (أم ما كفيت).
