الجملة قتلوا منهم فوق الألفين ، وأسروا مثلهم ، وساقوا إلى باب الدهليز من النساء والصبيان والأثاث ، وكان من جملة أسباب الحنق عليهم مع ما صدر منهم بالأمس أن الأمير سيف الدين أقبغا المنصوري ، أحد أمراء الشام ، كان طلع إليهم في جملة من طلع فأمسكوه ، وقتلوه وعرقبوا ما عندهم من الخيول وأذهبوا ما أمكنهم إذهابه ، فتزايد الحنق عليهم ، وتمسك في قتلهم وأسرهم بالشبه والمساءلات ، وأخذ الجند وغيرهم من السبي والمكاسب ما لا يحصى ، ولما علم من بقي منهم ما جرى على إخوانهم تمسكوا بالعصيان ، وامتنعوا من قبول الأمان وقاتلوا أشد قتال ، واختطفوا خمسة نفر من المسلمين ، ورموهم من أعلى البرج فسلم منهم نفر واحد ، ومات الأربعة.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر جمادى المذكور أخذ البرج الذي كان تأخر فتوحه ، وهو آخر ما تبقى في عكا ، وأنزل من فيه بالأمان ، وكان قد علق من سائره ، فلما نزلوا منه ، وحول معظم ما فيه ، سقط على جماعة من المسلمين متفرجين ، ومن قصده للنهب فهلكوا ، ثم بعد ذلك عزل النساء والصبيان ناحية وضربت رقاب الرجال ، وهذا عندي أنه مكافأة لفعلهم ، حين أخذوا عكا من السلطان الشهيد صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمهالله ، فإنهم أمنوا من بها من المسلمين فلما استولوا عليهم غدروا بهم وقتلوهم عن آخرهم ، إلا نفر يسير من أعيان الأمراء استبقوهم وباعوهم بأموال عظيمة ، بحيث كان الأسير منهم يباع بخمسين ألف درهم وما فوق ذلك ، فانتقم الله تعالى من هؤلاء كما فعله أولئك بالمسلمين ، ولقد أدل الله تعالى المسلمين ، وأذل الكافرين ، وانتقم منهم وعاقبهم لما اعتمدوه في فتح عكا مع المسلمين ، وقدر الله تعالى أن المسلمين أخذوا عكا في مثل اليوم الذي أخذها الأفرنج منهم ، وفي مثل الساعة التي أخذوها فيها ، فإن الأفرنج استولوا على عكا في يوم الجمعة سابع عشر من شهر جمادى الآخرة ، في الساعة الثالثة من النهار ، وأمنوا من بها ثم قتلوهم غدرا ،
![تاريخ دمشق [ ج ٢ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2263_tarikh-damascus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
