وقدر الله أن المسلمين انتقذوها منهم في يوم الجمعة ، في الساعة الثالثة منها ، ووافق السابع عشر من جمادى الأول سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، وأمنوا من بها ثم قتلوهم بعد ذلك.
وكان الملك الأشرف عند منازله عكا قد جهز جماعة من الجند مقدمهم الأمير علم الدين سنجر الصوابي الجاشنكير والي بر صفد إذ ذاك إلى جهة صور ، يحفظ الطرق ، ويعرف الأخبار ، ومضايقة صور ، فلما فتحت عكا وأحرقت ، وطلع دخانها من قرني البحر علم أهل صور بقرينة الحال فتوح عكا ، فهربوا ، وأخلوا صور فدخلها الصوابي بمن معه ، وطالع السلطان الصورة ، فجرد إليه طائفة من العسكر مع الأمير سيف الدين قطز المنصوري ، وجماعة كبيرة من الحجارين والزراقين والنجارين وغيرهم لخراب صور وخراب حيفا ، وكان توجه سيف الدين قطز بهم من ظاهر عكا بكرة نهار الأحد العشرين من جمادى الأولى وصورة ما ورد كتاب الصوابي أنه كان نزل على صور يحصد زراعاتها ، فلم يشعر إلا بمراكب المنهزمين من عكا قد وافت الميناء الذي لصور ، فحال بينها وبين الميناء ، فطلب أهل صور الأمان على أنفسهم وأموالهم ، ويسلموا صور ، فأجيبوا إلى ذلك ، وهذه صور من أحصن الأماكن ، وأكثر الحصون منعة لا ترام ، ولم يفتحها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمهالله فيما فتح من السواحل ، بل كان كلما فتح مكانا وأمن أهله وأوصلهم إلى صور لحصانتها ومنعتها ، وعدم الطمع في تملكها ، فألقى الله تعالى في قلوب أهلها الرعب فسلموها من غير قتال ولا منازلة ، ولا كان الملك الأشرف في نفسه شيء من أمرها البتة ، ولا تعلقت أطماعه في فتحها ، فيسر الله تعالى أمرها ، وعندما تسلمها جرد إليها من أخربها ، وهدم أسوارها ، وأبنيتها ونقل من رخامها وأنقاضها شيئا كثيرا ، ولما تيسر أمر صور على هذه الصورة ، قوي عزم الملك الأشرف على أخذ ما سواها.
![تاريخ دمشق [ ج ٢ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2263_tarikh-damascus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
