العشر الآخر من المحرم سنة إحدى وتسعين وستمائة بقلعة بعلبك ما معناه أن الملك الصالح عماد الدين اسماعيل رحمهالله كان عنده حلم كثير ومداراة وصفح ، وكرم فمن ذلك أنه كان في حلقة دمشق رجل معبر يعرف بالفخر سركيس ، وكان ممن خدم الملك المعظم عيسى ، وبقي إلى أن ملك الملك الصالح دمشق ، وكان يطلق لسانة في حقه عند من يثق به من أصحابه ويقول : بلينا بعد خدمة الملك المعظم بخدمة هذا المنيكيح اسماعيل ، وتكرر هذا القول منه ، فبلغ الملك الصالح فلما حضر سركيس السماط طلبه الملك الصالح وأقعده إلى جانبه ، وناوله الزبدية بيده ووانسه في الحديث ثم قال : يا فخر الدين كيف أنت مع المنيكيح اسماعيل؟ فقام وقال : ياخوند العفو قتلتني قطعت ظهري ، قال : لا تخف والله ما عليك بأس ولا أثر كلامك في خاطري شيئا ، وأنا لك على ما تحب ، فشرع في الحلف والاعتذار فقال : والله يا فخر الدين إن طلبت مني أنني أكون مثل المولى الملك المعظم رحمهالله ، أو مثل بعض مماليكه والله تظلمني ، والله ما أنا عند نفسي مثل أحد مماليكه الكبار إلا دون ذلك ، وأما منيكيح فوالله ما نكحني أحد ، فشرع سركيس يلطم على وجهه ، وهو يسكته ، ثم خلع عليه فرجيته التي كانت على أكتافه فهي تساوي فوق ألفي درهم ، فقام وهو طائر العقل ، وبقي مع ذلك مدة يلطم وجهه ويلعن نفسه ، ويدعو للملك الصالح رحمهالله تعالى ولما دخل القاهرة وصحبته الملك الناصر صاحب حلب ، وجرى ما هو مشهور أخذ وطلع الملك المعز القلعة والملك الصالح معه واعتقل بدار بالقلعة ، فلما كان ليلة الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وستمائة أتى عز الدين أيبك الرومي الصالحي في جماعة من الترك ليلا إلى الدار التي فيها الملك الصالح ، وأمره أن يركب معهم ، وكان مع غلمانه يمص قصب السكر ، فركب معهم ومعهم مشعل ، ومضوا به إلى باب القلعة التي تلي القرافة ، وأطفوا المشعل ، وخرجوا من الباب فكان آخر العهد به ، فقيل والله أعلم أنه خنق ودفن مكانه ، وقيل إنهم خنقوه ثم فارقوه وهم يظنون أنه قد مات ولم
![تاريخ دمشق [ ج ٢ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2263_tarikh-damascus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
