الصبر على فراقه ، ولما توفي لم تزل باكية حزينة إلى حيث توفيت بعد أنها أنهكت بدنها بالحزن والبكاء الدائم رحمهماالله تعالى.
السنة الثامنة والثمانون وستمائة :
استهلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة وفيها فتحت طرابلس وما أضيف إليها ، وشرح الحال في ذلك أن سيربيمند صلان (١) أسر كي صاحب جبيل والدامه ، وهو من أعيان فرسان الفرنج ، فلما فعل صاحب طرابلس بصاحب جبيل ما فعل امتعض من ذلك وحصلت الوحشة والمباينة بينه وبين صاحب طرابلس وبعد موت صاحبها فسأل سير بيمند من السلطان الملك المنصور المساعدة ، فأرسل الأمير سيف الدين بلبان السلحدار الطباخي لمساعدته على تملك طرابلس على أن تكون مناصفة ، وبذل بذولا كثيرة فسوعد إلى أن تم له مراده ، ورأى أن ما بذله للسلطان لا يوافقه الفرنج عليه وبحث في أمره ، فشرع في باب المداجاة والمغالطة ، ومدافعة الأوقات فلما اطلع السلطان على باطن أمره رأى معاجلته قبل استحكام أموره ، فخرج من الديار المصرية يرى حصار طرابلس ، ودخل دمشق ، وأقام بها ريثما تهيأ ، وخرج منها متوجها إلى طرابلس ونازلها في ربيع الأول ، ونصب عليها المجانيق وضايقها مضايقة شديدة إلى أن فتحها عنوة في الرابعة من نهار الثلاثاء رابع ربيع الآخر من هذه السنة وشمل القتل لسائر من بها ، وغرق منهم في الميناء جماعة كثيرة ، ونهب منها من الأموال والذخائر والمتاجر وغير ذلك ما لا يوصف ، ثم أحرقت وخرب سورها ، وهو من أقوى الأسوار وأمنعها ، ثم تسلم السلطان [حصنها] لنفسه ، وهو حصن بديع لصاحبها ، وأبقي على أخت البرنس صاحب طرابلس كان قريتين من قراها ، وحضر إلى ظاهر طرابلس ولد شيركي صاحب جبيل الذي كان قتله بيمند صاحب طرابلس سنة إحدى وثمانين وستمائة ، فخلع عليه وأقره على جبيل على سبيل الإقطاع ،
__________________
(١) أي بوهيموند لوزنان ، وهناك مادة جيدة عنه في الجزء الثالث من أعمال القبارصة.
![تاريخ دمشق [ ج ٢ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2263_tarikh-damascus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
