وكاشف غمه أبي السادة الخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين وعلى بقية الصحابة والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الناس اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام ، والجهاد محتوم على جميع الأنام ، ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد ، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم ، ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب المآثم ، فلو شهدتم أعداء الإسلام حين دخلوا دار السلام ، واستباحوا الدماء ، والأموال ، وقتلوا الرجال والأطفال ، وهتكوا حرم الخلافة والحريم ، وأذاقوا من استبقوا العذاب الاليم ، فارتفعت الأصوات بالبكاء ، وعلت الضجات من هول ذلك اليوم الطويل ، فكم من شيخ خضبت شيبته بدمائه ، وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه ، فشمروا عن ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(١) فلم تبق معذرة في القعود عن أعداء الدين ، والمحاماة عن المسلمين.
وهذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل ، العالم العادل ، المجاهد المؤيد ركن الدنيا والدين ، قد قام بنصر الامامة عند قلة الأنصار ، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار ، فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة العقود ، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود ، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة ، واخلصوا نياتكم تنصروا ، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا ، ولا يروعنكم ما جرى ، فالحرب سجال (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(٢) والدهر يومان ، والآخر للمؤمنين جمع الله على التقوى أمركم ، وأعز بالإيمان نصركم واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية : الحمد لله حمدا يقوم بشكر نعمائه وأشهد أن لا إله إلا
__________________
(١) ـ سورة التغابن ـ الآية : ١٦
(٢) ـ سورة الأعراف ـ الآية : ١٢٨
![تاريخ دمشق [ ج ٢ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2263_tarikh-damascus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
