وبات السلطان ليلة السبت قلقا لم يعرف المنام ، فلما طلع الصباح جاء جرديك مسرعا فقال السلطان : يهنيك رحلوا نحو الرملة ، فسجد السلطان وانكشفت أخبارهم ، وسبب رحيلهم ذلك لأن السلطان كان أمر بطم الصهاريج والآبار التي كانت حول القدس ، فقال لهم الانكلتار : ومن أين نشرب؟ قالوا : من العيون التي حول القدس ، فقال يتخطفوننا فحكموا منهم ثلاثمائة من علمائهم ، وحكم الثلاث مائة اثني عشر ، وحكم الاثنا عشر ثلاثة على عادتهم في النوازل ، فباتوا يتشاورون فترجح عندهم الرحيل ، وقالوا : السلطان حاضر ، ومعه العساكر ، فارحلوا فرحلوا طالبين عكا ، وكانوا قد أخذوا يافا وحصنوها.
فأقام السلطان بالقدس حتى تيقن وصولهم إلى عكا ، فخرج فنزل على يافا وحصرها وتعلق النقابون في الأسوار ، وملك المدينة وأشرفوا على أخذ القلعة فصاح أهلها الأمان ، ونهب المسلمون البلد فوقف مماليك السلطان على الأبواب كل من خرج ومعه شيء أخذوه ، وعز ذلك على الأمراء والأكراد ، وسلموا القلعة ، وبعث السلطان لها جماعة من أصحابه وبقي فيه من الفرنج أربعون رجلا ، فبينماهم على ذلك إذ لاحت مراكب يسيرة ، فرأوا علم السلطان عليها فظنوا أنه قد أخذها فتوقفوا ، وقويت نفوس الفرنج الذين في القلعة ، وعلموا أنها مراكب الانكلتار فرمى واحد نفسه في الماء ، وسبح إليهم وقال : تقدموا فأرسوا إلى المينا ، وكانت خمسة وثلاثين مركبا ، ووصل الانكلتار ، فهرب المسلمون من البلد وتأخر السلطان إلى يازور ، وجاء الانكلتار فنزل في منزلة السلطان ، ولم يكن معه سوى عشرين فارسا ، وثلاثمائة راجل ، وعشرين خيمة ، والسلطان في ألوف ، فبعث إلى السلطان يقول : أنت سلطان عظيم ، ومعك هذا الجيش الكثير ، ومعظم عساكر المسلمين ، فكيف رحلت عن منزلتك عند وصولي ، وليس عندي أحد ، ولا طلعت من البحر إلا بزربولي؟! فغضب السلطان ، وبات على غضب ، فلما
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)