قلت وحكى لي نجم الدين الحسن بن سلام ، أحد عدول دمشق وأعيانها ، وكان صديقنا وصاحبنا رحمهالله ، قال : ملك الأشرف بن العادل دمشق وبنى مسجد أبي الدرداء في القلعة ، وأفرده عن الدور ، ودخلت عليه يوما وهو فيه فقال لي : يا نجم الدين كيف ترى هذا المسجد قد عمرته وأفردته عن الدور ، وما صلى فيه أحد منذ زمان أبي الدرداء ، إلى الآن؟ فقلت له : الله الله يا مولانا ، ما زال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس ، فقال : من أين لك هذا؟ فقلت : حدثني والدي ، وكان من أكابر عدول دمشق ، وكان أبوه يلقب بالسعيد ، أنه لما نزلت الفرنج على دمياط بعد وفاة أسد الدين وضايقوها أشرفت على الأخذ ، فأقام نور الدين عشرين يوما صائما لا يفطر إلى على الماء ، فضعف وكاد يتلف ، وكان مهيبا لا يتجاسر أحد يخاطبه في ذلك ، وكان له إمام يقال له يحيى ضرير يصلي به في هذا المسجد ، وكان يقرأ القرآن ، وله عنده حرمة ، فاجتمع إليه خواص نور الدين وخدمه وقالوا : خفنا على السلطان ونحن في هيبة لا نقابله ، وأنت تدل عليه ، ونحن نسألك ان يتناول ما يحفظ به من قوته ، فقال : نعم إذا صليت به غداة الفجر سألته ، قال : فلما كان في تلك الليلة رأى الشيخ يحيى في المنام رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول له : يا يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط قال : فقلت يا رسول الله ربما لا يصدقني وأريد له أمارة ، قال : قل له بعلامة يوم حارم ، قال : وانتبه يحيى وهو ذاهب العقل ، فلما صلى نور الدين خلفه الفجر وسلم ، شرع يدعو ، ففاته أن يتحدث معه ، فقال له نور الدين : يا يحيى ، قال : لبيك يا مولانا ، قال : تحدثني أو أحدثك؟ قال : فارتعد يحيى وخرس ، فقال له : أنا أحدثك رأيت النبي صلىاللهعليهوسلم في هذه الليلة ، وقال لك كذا وكذا؟فقال : نعم يا مولانا ، ما معنى قوله عليهالسلام بعلامة يوم حارم؟ فقال له نور الدين : لما التقينا خفت على الاسلام لأني رأيت من كثرة الأفرنج ما هالني ، فانفردت عن العسكر فنزلت ومرغت وجهي على التراب
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)