ومنها ما حكاه لي رجل صالح من أهل حران فقيه الشيخ حياة في سنة خمسين وستمائة قال : لما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر ، وملك نور الدين قلعة حلب تصدق وأزال المكوس ، ورد المظالم ، وأنا حديث عهد بعرس ، وقد ركبني دين ، فقالت لي زوجتي : قد سمعت أوصاف نور الدين واحسانه للناس ، فلو قصدته وأنهيت إليه حالك لقضى دينك ، قال : فخرجت من حران ، وليس معي سوى درهمين ، فتركت عندها درهما وتزودت بدرهم ، وأتيت الفرات وقت القائلة فعبرت جسر منبج ، وأبعدت عن أعين الناس ، وخلعت ثيابي ونزلت وتوضأت للصلاة وصليت ركعتين وإذا على جانبي شخص ملفوف في عباءة ، فقال لي : يا فقير من أين أنت؟ قلت : من حران ، قال وإلى أين؟ قلت : إلى حلب ، قال فما تصنع فيها؟ فقلت : أنا فقير مديون ، وقد بلغني احسان نور الدين إلى الخلق ، فقصدته لعله يقضي ديني ، فقال : فأين أنت من نور الدين ، ومن يوصلك إليه وكم عليك دين؟ فقلت : خمسون دينارا ، فأخرج يده من العباءة ، وبحث في الرمل وأخرج منه قرطاسا وألقاه إلي ، وقال : خذ فاقض به دينك وارجع إلى أهلك ، قال فأخذته فعددته وإذا به خمسون دينارا والتفت فلم أره ، فبهت ، وبت في مكاني أتفكر هل أرجع إلى حران أم أمضي إلى حلب ، وترجح عندي المضي إلى حلب ، وقلت في نفسي : فهذه أوفي بها ديني ، فمن أين أتقوت ، ثم قمت وقصدت طريق حلب فبت بباب بزاعة ونمت في الليل فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح ، فصليت وقعدت تحت القلعة ، وإذا قد فتح بابها ونزل نور الدين في أهبة عظيمة والأمراء بين يديه حتى جاء إلى الميدان ، فلما أراد أن يدخل نظر إلي فرمقني طويلا ، فأشار إلى خادم بين يديه ، فجاء الخادم إلي وقال : قم فأخذني وصعدني القلعة ، قال : فندمت على مجيئي إلى حلب وقلت : يا ليتني قبلت من ذلك الرجل الصالح ولعل نور الدين توهم أني اسماعيلي.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)