قلت : وقد صنف كتابا سماه الفخر النوري فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك ، وصنف نور الدين أيضا كتابا في الجهاد وهو بدمشق.
قلت : وقد نقل ذكره علماء السير مما وقع لهم من سيرته وما يستدل به على صالح سريرته ، وقد وقع لي مآثر لم يذكروها ومفاخر لم يسطروها ، ولم تكن لغيره من ملوك الجاهلية ولا الاسلام ، ولا رأوها ولو في احتلام ، وكان مشغولا بالصيد ويصيد الغزلان ، فمن ذلك أنه كان في عزمه أن يفتح بيت المقدس ، فعمر منبرا وقبلة بجامع حلب على اسم القدس فتوفي قبل الفتوح ، فلما ملك صلاح الدين البيت المقدس حمل المنبر إليه وأبقى القبلة بجامع حلب.
ومنها أنه كان له عجائز بدمشق وحلب فكان يخيط الكوافر (١٥) ويعمل السكاكير للأبواب ويبيعها العجائز ولا يدري أحد ، فكان يوما يصوم ويفطر على أثمانها ، وحكى شرف الدين يعقوب ولد المعتمد رحمهالله ان في دارهم سكرة من عمل نور الدين بخوزستان ، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة يتبركون بها.
ومنها ما حكاه الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة رحمهالله قال : كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدير ، ونور الدين الذي بنى هذه المدرسة ، والمصنع والفرن ، قال : فجاء يوما لزيارة جدي ، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة ، فقال له بعض الجماعة : يا نور الدين لو كشفت السقف وجددته ، فنظر إلى الخشبة وسكت ، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة فزرقها موضع المكسورة ومضى ، فعجب الجماعة ، فلما عاد إلى الزيارة قال بعض الحاضرين : يا نور الدين ما تعذبنا به في كشف سقف ، فقال : لا والله ، وإنما الشيخ رجل صالح ، وانما أزوره لأنتفع به ، وما أردت أن أزخرف له المسجد وأنقض ما هو صحيح ، وهذه الخشبة يحصل بها المقصود ، فدعوني مع حسن ظني فيه ، فلعل الله ينفعني به.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)